السل أثناء الحمل.. نقص الدراسات الطبية يؤخر استفادة النساء من العلاجات الحديثة

رغم التقدم المحقق في تشخيص مرض السل وعلاجه، لا تزال النساء الحوامل والمرضعات يواجهن مشكلة تتعلق بنقص الدراسات العلمية حول سلامة بعض الأدوية وفعاليتها خلال الحمل والرضاعة. فقد أدى استبعاد هذه الفئة لسنوات طويلة من التجارب السريرية إلى محدودية المعلومات المتوفرة بشأن عدد من العلاجات، ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى إطلاق مبادرة جديدة تهدف إلى سد هذه الفجوة وضمان استفادة النساء وأطفالهن من التطورات الطبية.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، عن إطلاق مجموعة أدوات بحثية مخصصة لمرض السل أثناء الحمل والرضاعة، بهدف مساعدة الباحثين والهيئات التنظيمية ولجان أخلاقيات البحث على إشراك النساء الحوامل والمرضعات بصورة أكثر أماناً في الدراسات المتعلقة بالأدوية واللقاحات.

وتأتي هذه المبادرة في وقت لا يزال فيه السل يمثل مشكلة صحية عالمية، رغم التقدم المحقق في مكافحته. فبحسب التقرير العالمي للمنظمة لسنة 2025، أصيب نحو 10.7 ملايين شخص بالمرض خلال سنة 2024، وهو ما يؤكد أن السل لم يُستأصل بعد، وإن كانت معدلات انتشاره تختلف بصورة كبيرة بين البلدان.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة خلال الحمل، إذ يمكن أن يؤدي السل غير المعالج إلى مضاعفات تهدد صحة الأم والجنين، من بينها الولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود. غير أن اختيار بعض العلاجات قد يطرح صعوبات عندما تكون البيانات العلمية المتعلقة بسلامتها أو جرعاتها المناسبة خلال الحمل غير كافية.

وتوضح المنظمة أن النساء الحوامل والمرضعات استُبعدن تاريخياً من العديد من التجارب السريرية، بدافع تجنب تعريض الأجنة والرضع لمخاطر محتملة. لكن هذا الاستبعاد أدى في المقابل إلى تأخر توفر الأدلة العلمية الضرورية لتقييم بعض الأدوية الجديدة، خاصة في حالات السل المقاوم للعلاجات المعتادة.

ولا يعني ذلك أن علاج السل أثناء الحمل غير ممكن أو أن الأدوية المستخدمة جميعها تشكل خطراً على الجنين. فهناك علاجات معروفة يمكن وصفها وفق التوصيات الطبية المعتمدة، بينما تظل الحاجة قائمة إلى المزيد من الدراسات بشأن بعض الخيارات العلاجية الحديثة وتأثيراتها المحتملة على الأم والطفل.

وتشمل الأدوات الجديدة إرشادات حول تصميم التجارب السريرية ومراقبة سلامة المشاركات، ودراسة كيفية امتصاص الجسم للأدوية والتخلص منها خلال الحمل والرضاعة، إضافة إلى الجوانب الأخلاقية والتنظيمية التي تضمن حماية النساء المشاركات في الأبحاث.

وتسعى المنظمة من خلال هذه الخطوة إلى تجاوز المقاربة التي تقوم على استبعاد الحوامل تلقائياً من الدراسات الطبية، وتعويضها بإشراك مدروس يستند إلى تقييم المخاطر وتوفير الضمانات اللازمة، بما يسمح بتطوير معارف علمية أكثر دقة حول الوقاية والعلاج.

وبالنسبة للجزائر، ورغم التقدم المسجل في مكافحة السل، فإن المرض لم يُستأصل نهائياً، وهو ما يبرز أهمية استمرار الكشف المبكر والمتابعة الطبية، خاصة لدى الفئات التي تستدعي رعاية خاصة، وفي مقدمتها النساء الحوامل. كما يبقى التنسيق بين أطباء الأمراض الصدرية والمعدية ومصالح طب النساء والتوليد ضرورياً لضمان التكفل المناسب بالحالات المصابة.

وتعيد المبادرة الجديدة طرح إشكالية أوسع تتعلق بالعدالة في البحث الطبي، إذ لا ينبغي أن تتحول الرغبة في حماية النساء الحوامل من مخاطر التجارب السريرية إلى سبب دائم لاستبعادهن من التقدم العلمي. فالهدف هو توفير أدلة طبية موثوقة تسمح بعلاجهن بصورة أكثر أماناً وفعالية، مع حماية صحة أطفالهن.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد