الصحة النفسية في الجزائر.. نحو تعزيز الوقاية وتقريب العلاج من المواطنين
تتجه الجزائر إلى مراجعة سياستها في مجال الصحة النفسية، من خلال إعطاء أولوية أكبر للوقاية والكشف المبكر وتوسيع خدمات التكفل الجواري، في إطار المخطط الوطني الممتد إلى غاية سنة 2030. غير أن ترجمة هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة تظل مرتبطة بمدى قدرة المنظومة الصحية على ضمان وصول المرضى إلى العلاج والمتابعة المنتظمة، خصوصا في المناطق التي تواجه صعوبات في الحصول على الخدمات المتخصصة.
وعادت هذه التحديات إلى واجهة النقاش خلال اللقاء الذي احتضنه مقر وزارة الصحة، أمس الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، بمناسبة إحياء اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف العاشر من أكتوبر من كل سنة. وأشرف على اللقاء رئيس ديوان الوزارة، الدكتور حاج معطي خليل رضا، نيابة عن وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، بحضور ممثلين عن الهيئات الأممية والمؤسسات الصحية وأعضاء اللجنة متعددة القطاعات لترقية الصحة النفسية، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني.
وكشفت وزارة الصحة، بالمناسبة، عن توجه نحو تطوير مقاربة تتجاوز التكفل العلاجي التقليدي، لتشمل الوقاية من الاضطرابات النفسية والكشف عنها في مراحل مبكرة، مع تعزيز دور المؤسسات الصحية الجوارية في متابعة المرضى ومرافقتهم. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لأهمية الصحة النفسية باعتبارها جزءا أساسيا من الصحة العمومية، وليس مجرد مجال علاجي يقتصر على المؤسسات الاستشفائية المتخصصة.
وفي كلمة أُلقيت باسمه، أقر وزير الصحة باستمرار تحديات تستدعي تحسين الاستجابة للاحتياجات النفسية للمواطنين، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والديموغرافية وتزايد المخاطر المرتبطة بالكوارث الطبيعية والأزمات. وأكد أن معالجة هذه التحديات تتطلب تنسيقا أوثق بين القطاعات المعنية، إلى جانب تطوير قدرات مهنيي الصحة وتحسين آليات التدخل النفسي في الحالات الاستثنائية.
وتستند السياسة المعلنة إلى المخطط الوطني لترقية الصحة النفسية للفترة 2017-2020، الذي تقرر تمديد تنفيذه إلى غاية سنة 2030، بعدما تأثرت وتيرة إنجاز عدد من إجراءاته بتداعيات جائحة كوفيد-19. وتعتزم الوزارة إخضاع هذا المخطط للتقييم، من أجل تحديد ما تحقق فعليا ورصد النقائص التي ينبغي تداركها، مع اعتماد مؤشرات تسمح بقياس فعالية البرامج ومدى انعكاسها على نوعية الخدمات المقدمة للمرضى.
وبحسب الحصيلة التي عرضتها الوزارة، شهد القطاع تقدما في تطوير الهياكل الصحية وتعزيز القدرات المهنية وتحسين توفير الأدوية المخصصة للعلاج، إلى جانب اتخاذ إجراءات لتطوير التكفل بالأطفال والمراهقين. كما أشارت إلى اعتماد المخطط الوطني للتوحد سنة 2025، ضمن مساعي تحسين الاستجابة للاحتياجات الصحية لهذه الفئة.
وفي مجال علاج الإدمان، أعلنت الوزارة أن أكثر من 400 مريض يستفيدون حاليا من العلاج البديل للمواد الأفيونية، في إطار توسيع الخدمات العلاجية الموجهة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات مرتبطة بتعاطي هذه المواد. ويندرج هذا البرنامج ضمن الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات لمكافحة المخدرات، التي تقوم على الجمع بين الوقاية والعلاج والمرافقة الاجتماعية وإعادة الإدماج.
غير أن الأرقام المتعلقة بالبرامج والهياكل لا تكفي وحدها لتقييم مستوى التكفل، إذ تظل سهولة الوصول إلى الخدمات واستمرارية المتابعة العلاجية من المؤشرات الأساسية لقياس فعالية المنظومة الصحية. ومن هذا المنطلق، تراهن الوزارة على تعزيز الرعاية الجوارية لتقريب الاستشارات والمتابعة من أماكن إقامة المرضى، بما يحد من صعوبات التنقل ويساعد على استمرار العلاج، مع الحفاظ على الروابط الأسرية والاجتماعية للأشخاص المعنيين.
ويشكل الجانب الاجتماعي تحديا لا يقل أهمية عن توفير الخدمات الطبية، بالنظر إلى استمرار الأحكام المسبقة التي تحيط بالاضطرابات النفسية، وما قد تسببه من تردد في طلب المساعدة أو تأخر في الاستشارة. وشددت الوزارة في هذا السياق على ضرورة مكافحة الوصم والتمييز، وتعزيز التوعية المجتمعية وتشجيع الأشخاص الذين يواجهون صعوبات نفسية على اللجوء إلى المختصين في الوقت المناسب.
كما أعادت التذكير بالإطار القانوني المنظم لهذا المجال، ولا سيما القانون رقم 18-11 المتعلق بالصحة، الذي يتضمن أحكاما خاصة بالرعاية النفسية والعقلية وحماية حقوق المرضى، معتبرة أن تحسين التكفل يجب أن يقترن باحترام كرامة الأشخاص وضمان حقوقهم.
وفي أفق سنة 2030، حددت الوزارة أربعة توجهات أساسية لتطوير سياستها، تشمل تعزيز الوقاية والتدخل المبكر، وتوسيع الخدمات الصحية الجوارية، وتكثيف التنسيق بين القطاعات، وتكييف برامج الرعاية مع الاحتياجات المختلفة للأطفال والمراهقين والبالغين وكبار السن.
ويبقى التحدي المطروح في الانتقال من إعلان البرامج إلى قياس أثرها الفعلي على حياة المواطنين. ففعالية السياسة الوطنية للصحة النفسية لا تتوقف عند تطوير الهياكل أو توسيع النصوص التنظيمية، بل تتحدد أساسا بقدرتها على ضمان علاج متاح ومتابعة مستمرة ورعاية تحترم كرامة المرضى، بما يجعل الصحة النفسية جزءا من الخدمات الصحية التي يستطيع المواطن الاستفادة منها دون عوائق جغرافية أو اجتماعية.
مريم عزون