الصحة النفسية.. منظمة الصحة العالمية تدعو إلى تقليص عزل المرضى وتعزيز العلاج داخل المجتمع

لم يعد علاج الاضطرابات النفسية مرتبطاً بالضرورة بإقامة المرضى لفترات طويلة داخل المستشفيات المتخصصة، إذ تدعو منظمة الصحة العالمية إلى تطوير نموذج للرعاية يتيح لهم تلقي العلاج بالقرب من أسرهم ومواصلة حياتهم الاجتماعية قدر الإمكان. ويأتي هذا التوجه في ظل استمرار الاعتماد على المؤسسات النفسية الكبرى في العديد من البلدان، رغم تزايد الدعوات إلى تحسين ظروف التكفل بالمرضى وضمان احترام حقوقهم وكرامتهم.

وفي مقال مشترك نُشر الاثنين 12 أكتوبر 2026، دعا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، والرئيس السريلانكي أنورا كومارا ديساناياكي، إلى إعادة النظر في طرق التكفل بالأشخاص المصابين باضطرابات نفسية، من خلال تقليص الاعتماد على الإقامة الاستشفائية المطولة وتوسيع خدمات العلاج والمتابعة داخل المجتمع.

وتشير معطيات المنظمة إلى أن نحو 49 بالمائة من حالات الدخول إلى المستشفيات النفسية، ضمن البلدان التي توفرت بشأنها بيانات، تتم دون موافقة المرضى، فيما تتجاوز مدة الإقامة ستة أشهر لدى 28 بالمائة منهم. وتثير هذه المؤشرات تساؤلات حول مدى احترام حقوق المرضى، خاصة عندما تستمر الإقامة بالمؤسسات النفسية لفترات طويلة دون توفير بدائل علاجية واجتماعية مناسبة.

ولا تعني هذه الدعوة الاستغناء عن المستشفيات النفسية، إذ تبقى ضرورية في الحالات الحادة التي تستدعي مراقبة طبية متخصصة أو تدخلاً علاجياً مكثفاً. غير أن المنظمة ترى أن الإقامة بالمستشفى ينبغي ألا تصبح الحل الوحيد أو الدائم، خصوصاً عندما تسمح الحالة الصحية للمريض بمواصلة العلاج خارج المؤسسة الاستشفائية.

وفي هذا السياق، أصدرت منظمة الصحة العالمية، في التاسع من أكتوبر الجاري، دليلاً جديداً لمساعدة الدول على الانتقال التدريجي نحو الرعاية النفسية المجتمعية. ويشمل هذا النموذج تطوير الاستشارات المتخصصة داخل المؤسسات الصحية القريبة من السكان، وتوفير فرق متنقلة للمتابعة والدعم النفسي، وتحسين التنسيق بين الأطباء والخدمات الاجتماعية، مع مساعدة المرضى على استعادة استقلاليتهم والاندماج في المجتمع.

غير أن هذا التحول لا يزال محدوداً عالمياً، إذ تشير بيانات المنظمة إلى أن 9 بالمائة فقط من البلدان التي قدمت معلومات عن أنظمتها الصحية استكملت الانتقال نحو الرعاية المجتمعية، بينما لا تزال غالبية الدول في مراحل متفاوتة من الإصلاح. كما تستحوذ المؤسسات النفسية الكبرى، وفق التقديرات التي أوردها كاتبا المقال، على نحو نصف الإنفاق العمومي المخصص للصحة النفسية عالمياً، رغم الحاجة إلى تعزيز الخدمات العلاجية خارج المستشفيات.

ويؤكد المختصون أن نجاح هذا النموذج يتطلب توفير وسائل بشرية ومادية كافية، لأن تقليص الإقامة الاستشفائية دون ضمان استمرار العلاج والمتابعة قد يعرض المرضى لتدهور حالتهم الصحية أو الإهمال. كما أن الأسرة لا يمكن أن تتحمل وحدها مسؤولية التكفل بالمريض في غياب خدمات طبية واجتماعية تساعدها على أداء هذا الدور.

وبالنسبة للجزائر، يفتح هذا التوجه نقاشاً حول أهمية تعزيز خدمات الصحة النفسية في المؤسسات الصحية الجوارية، وتحسين المتابعة بعد الخروج من المستشفى، وتطوير آليات المرافقة النفسية والاجتماعية للمرضى وعائلاتهم. كما يبرز ضرورة ضمان التنسيق بين مصالح الطب النفسي والهياكل الصحية المحلية، بما يسمح باستمرارية العلاج والحد من الانقطاع عن المتابعة الطبية.

وتشدد منظمة الصحة العالمية على أن إصلاح الرعاية النفسية ينبغي أن يقوم على إشراك المرضى في القرارات المتعلقة بعلاجهم، واحترام حقوقهم وتوفير الخدمات المناسبة لاحتياجاتهم. فالتحدي لا يكمن في تقليص عدد الأسرة بالمستشفيات، وإنما في بناء منظومة تضمن العلاج والدعم دون تحويل المرض النفسي إلى سبب للعزلة الاجتماعية، وتساعد المصابين على استعادة حياتهم اليومية مع الحفاظ على كرامتهم واستقلاليتهم.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد