التغير المناخي يهدد صحة الجلد.. دراسة دولية تكشف اتساع المخاطر في البلدان الأقل دخلاً
لم تعد التداعيات الصحية للتغير المناخي تقتصر على ضربات الشمس وأمراض القلب والجهاز التنفسي، بل باتت تشمل أيضاً أمراض الجلد التي قد تتفاقم بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتغير الظروف البيئية. هذا ما كشفته دراسة دولية حديثة شملت 136 دولة، وأظهرت أن البلدان الأقل دخلاً تسجل بصورة أكبر تغيرات مرتبطة بالمناخ في انتشار الأمراض الجلدية وشدتها، في وقت تعاني فيه بعض هذه البلدان محدودية الخدمات الصحية المتخصصة.
وقُدمت نتائج الدراسة خلال المؤتمر الأوروبي للأمراض الجلدية والتناسلية، المنعقد بالعاصمة النمساوية فيينا من 30 سبتمبر إلى 3 أكتوبر 2026، بمشاركة باحثين من عدة مؤسسات علمية، من بينها كلية الطب بجامعة هارفارد الأمريكية. وأُنجزت الدراسة ضمن مشروع دولي لمراقبة صحة الجلد، بالتعاون بين الرابطة الدولية لجمعيات الأمراض الجلدية وشركاء في مجال البحث الصحي.
وشملت الدراسة استطلاعاً لممثلين عن جمعيات الأمراض الجلدية وهيئات صحية في 136 دولة، بهدف التعرف على التغيرات التي لاحظها المختصون في انتشار الأمراض الجلدية وشدتها، ومدى ارتباطها بالتحولات المناخية والبيئية.
وأظهرت النتائج أن 42.6 بالمائة من الجهات المشاركة أبلغت عن تغيرات في انتشار بعض الأمراض الجلدية أو شدتها مرتبطة بالتغير المناخي. وارتفعت هذه النسبة إلى 55.6 بالمائة لدى البلدان منخفضة الدخل، مقابل 28.3 بالمائة في البلدان مرتفعة الدخل، ما يعكس تفاوتاً واضحاً في حجم التأثيرات التي أبلغ عنها المشاركون.
وتكشف هذه الأرقام، بحسب الباحثين، أن المجتمعات الأقل دخلاً قد تكون أكثر عرضة للتداعيات الصحية للتغير المناخي، ليس فقط بسبب الظروف المناخية القاسية، وإنما أيضاً نتيجة محدودية الوصول إلى الأطباء المختصين والعلاجات والخدمات الصحية القادرة على التعامل مع الأمراض الجلدية.
ومن بين 58 دولة أبلغت عن تأثيرات مناخية على صحة الجلد، أشارت 81 بالمائة إلى زيادة الطفح الجلدي المرتبط بالحرارة، فيما أبلغت 75.9 بالمائة عن ارتفاع في الأمراض الجلدية الالتهابية. كما رصدت 62.1 بالمائة تغيرات في انتشار الأمراض الجلدية المعدية، مقابل 50 بالمائة سجلت تغيرات تتعلق بالأمراض المنقولة بواسطة الحشرات والناقلات الأخرى.
ويوضح المختصون أن ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة قد يؤدي إلى زيادة التعرق وتهيج الجلد، خاصة لدى الأشخاص الذين يعملون لساعات طويلة في الهواء الطلق أو يتعرضون لظروف حرارية مرتفعة. كما يمكن أن تسهم الحرارة والتلوث في تفاقم بعض الأمراض الالتهابية، مثل الإكزيما، لدى الأشخاص المعرضين لها.
ولا تتوقف التأثيرات المحتملة عند الحرارة وحدها، إذ قد تؤدي التغيرات في معدلات الأمطار والرطوبة إلى تعديل الظروف البيئية التي تعيش فيها بعض الحشرات والناقلات المرضية، ما قد يغير التوزيع الجغرافي لعدد من الأمراض المعدية التي تصيب الجلد أو تظهر عليها أعراض جلدية.
وأبرزت الدراسة تفاوتاً بين المناطق الجغرافية، حيث كانت التغيرات المرتبطة بالمناخ أكثر إبلاغاً في بلدان إقليم غرب المحيط الهادئ وشرق المتوسط وجنوب شرق آسيا، مقارنة بالمنطقة الأوروبية. وفي المقابل، سجل الإقليم الإفريقي أعلى نسبة من المشاركين الذين أبدوا عدم اليقين بشأن تأثير التغير المناخي على الأمراض الجلدية، وهو ما قد يعكس نقص البيانات وأنظمة المراقبة المتخصصة.
غير أن الباحثين يشددون على أهمية التعامل مع هذه النتائج في إطار منهجيتها العلمية، إذ تستند إلى ملاحظات وتقارير جمعيات وهيئات مختصة، وليس إلى فحوصات سريرية مباشرة للسكان في جميع الدول المشاركة. ولذلك فإن النتائج تكشف عن تغيرات أبلغ عنها المختصون، لكنها لا تسمح وحدها بتحديد عدد المصابين أو إثبات أن التغير المناخي هو السبب المباشر لكل حالة مرضية.
وبالنسبة للجزائر، تكتسي هذه النتائج أهمية خاصة بالنظر إلى التعرض للحرارة المرتفعة خلال فترات طويلة من السنة، لا سيما في المناطق الداخلية والجنوبية. وقد يساهم تعزيز التوعية بوسائل الوقاية من أشعة الشمس والحرارة، وتحسين التكفل بالأمراض الجلدية، في الحد من بعض المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض البيئي، دون أن تسمح هذه الدراسة باستخلاص أرقام محددة عن الوضع الوطني.
ويدعو الباحثون إلى إدراج صحة الجلد ضمن برامج التكيف الصحي مع التغير المناخي، وتعزيز أنظمة مراقبة الأمراض الجلدية وتكوين المهنيين الصحيين، خاصة في البلدان محدودة الموارد. فمع تزايد موجات الحر والتحولات البيئية، لم تعد حماية الجلد مجرد مسألة تتعلق بالعناية الشخصية، بل أصبحت جزءاً من تحديات الصحة العمومية التي تستدعي استعداداً ووقاية ومتابعة طبية مناسبة.
فاطمة الزهراء عاشور