كشف الأوبئة خلال 24 ساعة.. منظمة الصحة العالمية تراهن على الذكاء الاصطناعي
هل يصبح العالم قادراً على اكتشاف الأوبئة الجديدة خلال 24 ساعة فقط؟ هذا ما تطمح إليه منظمة الصحة العالمية من خلال استراتيجية جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الصحية، بهدف رصد الأمراض المعدية في مراحلها الأولى والتدخل قبل انتشارها. وتأتي هذه المبادرة في وقت لا تزال فيه الدروس المستخلصة من جائحة كورونا تثير تساؤلات حول قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة تهديدات وبائية قد تظهر بصورة مفاجئة وتنتقل بسرعة بين البلدان.
وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الاثنين 12 أكتوبر 2026، عن إطلاق استراتيجية جديدة لمركزها المتخصص في المعلومات المتعلقة بالجوائح والأوبئة، تمتد إلى سنة 2030، وتهدف إلى تمكين البلدان من اكتشاف التهديدات الصحية الناشئة وتقييمها خلال 24 ساعة من ظهور المؤشرات الأولى عليها، بما يسمح بتسريع الاستجابة والحد من احتمالات تحول الإصابات المحدودة إلى أزمات صحية واسعة النطاق.
وكانت المنظمة قد أنشأت هذا المركز بالعاصمة الألمانية برلين سنة 2021، في أعقاب جائحة كورونا التي كشفت عن ثغرات في أنظمة المراقبة الصحية وتبادل المعلومات بين الدول. ومنذ ذلك الحين، عمل المركز على تطوير وسائل تتيح جمع البيانات وتحليلها بصورة أسرع، بالتعاون مع المؤسسات الصحية والمختبرات والباحثين في مختلف أنحاء العالم.
وتقوم الاستراتيجية الجديدة على توسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للكشف عن الإشارات المبكرة للأمراض المعدية، من خلال تحليل آلاف المصادر والمعلومات المتاحة يومياً. وقد تشمل هذه الإشارات تسجيل ارتفاع غير معتاد في عدد المصابين بأعراض متشابهة، أو ظهور حالات مرضية مجهولة السبب، أو انتشار معلومات تستدعي إجراء تحريات وبائية إضافية.
وتعتمد المنظمة في هذا المجال على نظام للإنذار المبكر يعرف باسم «EIOS»، يسمح بجمع المعلومات المنشورة وتحليلها وتحديد المؤشرات التي قد تدل على وجود تهديد صحي جديد. ووفقاً للمنظمة، يستخدم هذا النظام أكثر من 125 دولة، بمشاركة آلاف الخبراء المختصين في المراقبة الوبائية وتحليل البيانات.
غير أن اكتشاف إشارة غير معتادة لا يعني بالضرورة وجود وباء، إذ تحتاج المعلومات الأولية إلى التحقق العلمي والمخبري قبل تأكيد طبيعة الخطر. ولهذا تشمل الاستراتيجية أيضاً تعزيز التعاون بين المختبرات وتطوير استخدام تقنيات التحليل الجيني، التي تساعد على التعرف على الفيروسات والبكتيريا ورصد التغيرات التي قد تطرأ عليها.
ويؤكد المختصون أن سرعة اكتشاف الأمراض المعدية تمثل عاملاً أساسياً في الحد من انتشارها، خاصة عندما يتعلق الأمر بعوامل ممرضة جديدة لا تتوفر بشأنها معلومات كافية. فالتأخر في التعرف على الحالات الأولى قد يمنح العدوى فرصة للانتقال إلى مناطق أخرى، بينما يسمح الإنذار المبكر بتوجيه التحقيقات الوبائية وتعزيز الإجراءات الوقائية واتخاذ القرارات المناسبة.
وتبرز أهمية هذه المقاربة في عالم تتزايد فيه حركة التنقل بين البلدان، وتتداخل فيه المخاطر الصحية مع التغيرات البيئية والمناخية. كما أن بعض الأمراض المعدية الناشئة قد تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان، وهو ما يجعل مراقبة صحة الإنسان والحيوان والبيئة وتبادل المعلومات بينها جزءاً مهماً من الاستعداد للأوبئة المستقبلية.
ومع ذلك، فإن الطموح المعلن لا يعني أن منظمة الصحة العالمية أصبحت قادرة بالفعل على اكتشاف جميع الأوبئة خلال 24 ساعة. فالاستراتيجية تحدد هدفاً تسعى إلى تحقيقه بحلول سنة 2030، بينما يظل نجاحه مرتبطاً بجودة البيانات وتعاون الدول وقدرات المختبرات وسرعة استجابة السلطات الصحية. كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى الخبرة البشرية للتحقق من المعلومات وتقييم المخاطر.
وبالنسبة للجزائر، تبرز أهمية هذه التطورات في تعزيز أنظمة المراقبة الوبائية وتحديث وسائل جمع المعلومات وتبادلها بين المؤسسات الصحية والمختبرات، خاصة في ظل المخاطر المرتبطة بانتقال الأمراض المعدية عبر الحدود. غير أن الاستفادة من التقنيات الحديثة تظل مرتبطة بمدى توفر الإمكانيات البشرية والتقنية والتنظيمية الضرورية لاستخدامها بصورة فعالة.
وتعيد المبادرة الجديدة طرح أحد أهم الدروس التي كشفت عنها جائحة كورونا، وهو أن مواجهة الأوبئة لا تبدأ عند امتلاء المستشفيات بالمرضى، وإنما منذ ظهور الإشارات الأولى لاحتمال انتشار مرض معدٍ. لكن النجاح لن يقاس بسرعة اكتشاف الخطر وحدها، بل بقدرة الأنظمة الصحية على تحويل الإنذار المبكر إلى تدخل فعال يمنع تحول الإصابات المحدودة إلى أزمة صحية واسعة.
فاطمة الزهراء عاشور