وفاة جنين كل 17 ثانية عالمياً.. 100 مليون دولار لتطوير وسائل جديدة للوقاية

يفقد العالم نحو مليوني جنين سنوياً قبل الولادة أو أثناءها، بمعدل حالة وفاة واحدة كل 17 ثانية تقريباً، رغم إمكانية تفادي جانب من هذه الوفيات من خلال الكشف المبكر عن مضاعفات الحمل والتدخل الطبي في الوقت المناسب. وأمام استمرار هذه المأساة الصحية، أعلنت مؤسستان دوليتان عن تخصيص 100 مليون دولار لتطوير تقنيات جديدة تساعد على اكتشاف المخاطر التي تهدد حياة الجنين، في مبادرة تطمح إلى خفض معدلات ولادة الأجنة الميتة إلى النصف في بعض البلدان خلال السنوات العشر المقبلة.

وأعلنت مؤسسة غيتس ومنظمة «ويلكوم ليب» (Wellcome Leap)، الاثنين 12 أكتوبر 2026، بالعاصمة الألمانية برلين، عن إطلاق برنامج بحثي يحمل اسم «أوزيما» (Uzima)، يهدف إلى تحسين الكشف المبكر عن مضاعفات الحمل والولادة وتطوير وسائل تساعد الأطباء والقابلات على التدخل قبل تدهور الحالة الصحية للأم أو الجنين.

وتعهدت المؤسستان بتخصيص 50 مليون دولار لكل منهما خلال السنوات الثلاث الأولى من البرنامج، ليصل إجمالي التمويل إلى 100 مليون دولار. وستوجه هذه الموارد إلى تطوير تقنيات واعدة واختبار فعاليتها وإمكانية استخدامها داخل المؤسسات الصحية، على أن تركز المرحلة الأولى على بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، التي تسجل ما يقارب نصف حالات ولادة الأجنة الميتة في العالم.

وتشير المعطيات التي أوردتها المؤسستان إلى أن التقدم في الحد من هذه الوفيات ظل أبطأ من الجهود المبذولة لمواجهة بعض أشكال وفيات الأطفال، رغم التطور الذي شهده طب النساء والتوليد. ولا يتعلق الأمر دائماً بأمراض نادرة أو مجهولة، إذ قد ترتبط وفاة الجنين بمضاعفات معروفة، مثل ارتفاع ضغط الدم لدى المرأة الحامل، واضطرابات المشيمة، وسكري الحمل وبعض الالتهابات، فضلاً عن المشكلات التي قد تحدث أثناء المخاض.

ووفقاً للمختصين، فإن بعض هذه المضاعفات يمكن اكتشافها خلال المتابعة الطبية المنتظمة، غير أن التنبؤ بتطورها يظل صعباً في حالات معينة. فقد تكون نتائج الفحوصات مطمئنة في مرحلة من الحمل، قبل ظهور اضطرابات لاحقاً، وهو ما يبرز الحاجة إلى وسائل أكثر دقة لمراقبة صحة الجنين وتحديد الحالات المعرضة للخطر.

ومن بين الابتكارات التي يعتزم برنامج «أوزيما» اختبارها أجهزة التصوير بالموجات فوق الصوتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ووسائل تحليل المؤشرات البيولوجية المرتبطة بمضاعفات الحمل، إضافة إلى أجهزة استشعار تساعد على مراقبة الجنين أثناء المخاض. كما يشمل البرنامج تطوير أدوات رقمية لمساعدة الفرق الطبية على تفسير علامات الخطر واتخاذ القرارات المناسبة بسرعة أكبر.

وقد تكتسي هذه التقنيات أهمية خاصة في المناطق التي تعاني نقص الأطباء المختصين والتجهيزات الطبية، إذ يمكن لبعضها، إذا أثبت فعاليته، أن يسهل الكشف عن المضاعفات وتحسين توجيه النساء الحوامل نحو المؤسسات القادرة على التكفل بالحالات الخطيرة.

غير أن المبادرة لا تعني التوصل إلى علاج جديد ثبتت فعاليته، فالتقنيات المقترحة لا تزال بحاجة إلى تقييم علمي وسريري قبل اعتمادها على نطاق واسع. كما أن تقليص معدلات ولادة الأجنة الميتة بنسبة 50 بالمائة خلال عشر سنوات يمثل هدفاً يسعى البرنامج إلى إثبات إمكانية تحقيقه في بلدان مختارة، وليس نتيجة تحققت بالفعل.

ويستند المشروع إلى أبحاث سابقة أجرتها منظمة «ويلكوم ليب» ضمن برنامج «داخل الرحم» (In Utero)، الذي يركز على تطوير وسائل لمتابعة نمو الجنين ووظائف المشيمة. ومن المنتظر تحديد مجموعة أولى من التقنيات الواعدة مطلع سنة 2027، تمهيداً لاختبارها بالتعاون مع الأنظمة الصحية المشاركة.

ولا تلغي هذه الابتكارات أهمية المتابعة الطبية التقليدية، التي تظل أساسية للوقاية من مضاعفات الحمل. ويؤكد المختصون ضرورة المراقبة المنتظمة لضغط الدم، والكشف عن سكري الحمل، ومتابعة نمو الجنين، مع طلب التقييم الطبي العاجل عند ملاحظة انخفاض أو تغير واضح في حركته المعتادة خلال المراحل المتقدمة من الحمل.

وبالنسبة للجزائر، تبرز أهمية هذه المبادرة من زاوية تحسين جودة متابعة الحمل، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الصحة الجوارية ومصالح التوليد، وضمان سرعة التكفل بالحالات المعرضة للمضاعفات، خاصة في المناطق البعيدة عن المؤسسات الاستشفائية المتخصصة. كما أن تطوير وسائل تشخيص أقل تعقيداً قد يتيح مستقبلاً تحسين الخدمات الصحية، شريطة إثبات سلامتها وفعاليتها وإمكانية استخدامها في الظروف المحلية.

ولا تتوقف آثار وفاة الجنين عند الجانب الطبي، إذ قد تترك هذه التجربة صدمة نفسية عميقة لدى الوالدين، ما يستدعي توفير المرافقة والدعم النفسي إلى جانب الرعاية الصحية، دون تحميل الأم مسؤولية فقدان جنينها في غياب أسباب طبية مثبتة.

وتعيد المبادرة الدولية الجديدة تسليط الضوء على مشكلة صحية ظلت أقل حضوراً في الاستثمارات المخصصة للبحث والوقاية، رغم حجم الخسائر المرتبطة بها. غير أن نجاحها لن يقاس بقيمة التمويل المعلن أو عدد التقنيات المطورة، بل بمدى قدرتها على خفض الوفيات فعلياً وجعل وسائل الكشف المبكر متاحة للنساء الأكثر احتياجاً، حتى لا يتحول ضعف الإمكانيات الصحية أو البعد عن المؤسسات المتخصصة إلى عامل يحرم الأجنة من فرص النجاة.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد