17 تهديداً قد تعصف بصحة البشرية بحلول 2100.. تقرير علمي يحذر من مخاطر تتجاوز الأوبئة

لم تعد التهديدات الكبرى لصحة الإنسان تقتصر على الأمراض المعدية والأوبئة، بل أصبحت تشمل التغيرات المناخية والحروب والتلوث والفقر والسمنة، وحتى الاستخدامات الخطيرة للذكاء الاصطناعي. هذا ما خلص إليه تقرير علمي دولي جديد حدد 17 تهديداً قد تتسبب في خسائر بشرية وصحية هائلة خلال العقود المقبلة، محذراً من أن القرارات التي تتخذها الحكومات اليوم ستحدد إلى حد كبير الظروف الصحية التي ستعيش فيها الأجيال القادمة حتى نهاية القرن الحالي.

وكشفت لجنة علمية دولية تابعة للمجلة الطبية البريطانية المرموقة «ذا لانسيت» (The Lancet)، في تقرير قُدم يوم 11 أكتوبر 2026 خلال القمة العالمية للصحة بالعاصمة الألمانية برلين، عن نتائج تقييم واسع للتهديدات التي قد تواجه صحة البشرية خلال الفترة الممتدة من 2025 إلى 2100. واستند العمل إلى بيانات وتحليلات شملت 204 دول وأقاليم، بمساهمة معهد القياسات الصحية والتقييم التابع لجامعة واشنطن الأمريكية، وبمشاركة 35 خبيراً في الصحة والاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والحوكمة.

وتميز التقرير بمحاولة النظر إلى المخاطر الصحية من منظور يتجاوز حدود الطب التقليدي، انطلاقاً من أن صحة السكان لا تتحدد فقط بمدى توفر الأدوية والمستشفيات، وإنما تتأثر أيضاً بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وبمدى قدرة الدول على تجنب النزاعات والاستعداد للكوارث.

وبعد دراسة مئات المخاطر المحتملة، حدد الخبراء 17 تهديداً اعتبروها ذات قدرة على إحداث أضرار صحية كارثية خلال العقود المقبلة. وتشمل هذه التهديدات أمراضاً وعوامل خطر معروفة، مثل السمنة وارتفاع ضغط الدم والتدخين وسوء تغذية الأطفال، إلى جانب مقاومة المضادات الحيوية والتلوث والتغيرات المناخية والأوبئة المستقبلية، فضلاً عن النزاعات المسلحة والتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية وضعف التعليم وتراجع المساعدات الدولية الموجهة للصحة.

ولم تعتمد اللجنة في تقييمها على عدد الوفيات المحتملة وحده، بل استخدمت مؤشراً علمياً يعرف باسم «سنوات الحياة الصحية المفقودة»، يجمع بين السنوات التي يخسرها الإنسان بسبب الوفاة المبكرة وتلك التي يعيشها متأثراً بالمرض أو الإعاقة. واعتمد الباحثون عتبة تبلغ مليار سنة من الحياة الصحية المفقودة بحلول عام 2100 لتحديد حجم التهديد الكارثي، مع مراعاة إمكانية تقدير مخاطره ووجود مجال للتدخل من أجل الحد من آثاره.

ومن بين السيناريوهات الأكثر خطورة التي تناولها التقرير احتمال اندلاع حرب نووية، أو استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة خبيثة قد تسهل تطوير تهديدات بيولوجية واسعة النطاق. واعتبر الخبراء أن هذين الخطرين يحملان، في أقصى السيناريوهات، إمكانية تهديد بقاء البشرية، مع التأكيد أن احتمالات حدوث مثل هذه الكوارث تظل منخفضة وغير مؤكدة.

ولا تعني هذه التقديرات أن العلماء يتوقعون وقوع حرب نووية أو اختفاء الجنس البشري قبل نهاية القرن، بل تتعلق بتحليل مخاطر نادرة قد تكون عواقبها شديدة الخطورة إذا تحققت. كما أن التقديرات المرتبطة بهذه السيناريوهات تتسم بدرجة أكبر من عدم اليقين مقارنة بالمخاطر الصحية التي تتوفر بشأنها بيانات تاريخية واسعة.

وفي المقابل، تبدو بعض التهديدات الأخرى أقل إثارة في العناوين الإعلامية، لكنها تتسبب بالفعل في أعباء صحية ثقيلة، وقد يتفاقم تأثيرها خلال العقود المقبلة. ومن أبرزها السمنة، التي أظهر التقرير أن التدخلات والسياسات الرامية إلى الحد من انتشارها يمكن أن تجنب البشرية خسارة نحو 23.1 مليار سنة من الحياة الصحية بحلول عام 2100، وفق النماذج التي اعتمدها الباحثون.

وتعكس هذه التقديرات حجم العبء الذي قد تفرضه الأمراض المزمنة المرتبطة بعوامل الخطر القابلة للتعديل، خاصة أن السمنة ترتبط بارتفاع احتمالات الإصابة بالسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية وبعض أنواع السرطان. ويؤكد المختصون أن مواجهة هذه المشكلة تتطلب سياسات غذائية وصحية مستدامة، إلى جانب توفير وسائل الوقاية والعلاج وتحسين الظروف التي تسمح للسكان بتبني أنماط حياة صحية.

ويحتل التغير المناخي بدوره موقعاً بارزاً ضمن التهديدات التي تناولها التقرير، ليس فقط بسبب الوفيات المباشرة المرتبطة بموجات الحر والظواهر الجوية المتطرفة، وإنما أيضاً بسبب تأثيراته المحتملة في جودة الهواء والأمن الغذائي والموارد المائية وانتشار بعض الأمراض المعدية.

وقدّر الباحثون أن الحد من ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض إلى نحو 1.8 درجة مئوية، بدلاً من وصوله إلى 4.4 درجات، قد يجنب العالم خسارة نحو 1.89 مليار سنة من الحياة الصحية بحلول نهاية القرن. وأوضحوا أن هذا التقدير لا يشمل جميع الآثار المحتملة للتغير المناخي، إذ يصعب احتساب بعض الانعكاسات غير المباشرة، مثل النزوح والجفاف والاضطرابات النفسية.

وتبرز مقاومة المضادات الحيوية باعتبارها تحدياً صحياً آخر، بعدما أصبحت بعض أنواع البكتيريا قادرة على مقاومة العلاجات المستخدمة ضدها. ويحذر المختصون من أن استمرار تطور هذه المقاومة قد يجعل علاج عدد من الالتهابات أكثر صعوبة، ويزيد مخاطر الإجراءات الطبية التي تعتمد على فعالية المضادات الحيوية، بما فيها بعض العمليات الجراحية وعلاجات السرطان.

ولا ينفصل هذا الخطر عن قدرة الأنظمة الصحية على ضمان الاستخدام الرشيد للأدوية، وتعزيز الوقاية من العدوى، وتطوير مضادات حيوية جديدة، خصوصاً في ظل الفوارق القائمة بين البلدان في الوصول إلى التشخيص والعلاج.

ومن النتائج اللافتة التي خلص إليها التقرير أن التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية قد تتحول إلى عامل رئيسي في تفاقم الأعباء الصحية خلال العقود المقبلة. فقد قدّرت اللجنة أن تقليص عدم المساواة في الدخل يمكن أن يجنب العالم نحو 13.8 مليار سنة من الحياة الصحية المفقودة بحلول عام 2100.

كما أشار التقرير إلى الدور الحاسم للتعليم في تحسين المؤشرات الصحية، مقدراً أن التقدم في المستوى التعليمي يمكن أن يساهم في تجنب خسارة نحو 16.1 مليار سنة من الحياة الصحية، مع استفادة محتملة كبيرة للنساء والأطفال في إفريقيا جنوب الصحراء.

وتؤكد هذه النتائج أن مكافحة الأمراض لا تنفصل عن تحسين الظروف المعيشية وتوسيع فرص التعليم وتقليص الفقر. فالحرمان الاقتصادي وضعف المستوى التعليمي يمكن أن يحدّا من قدرة الأفراد على الوصول إلى الخدمات الصحية والاستفادة من برامج الوقاية، وهو ما يفاقم الفوارق في معدلات الإصابة بالأمراض والوفيات.

وفي إفريقيا، تبرز أيضاً مسألة الاعتماد على التمويل الخارجي لبعض البرامج الصحية، إذ تشير تقديرات اللجنة إلى أن بلدان إفريقيا جنوب الصحراء قد تتحمل نحو 70 بالمائة من العبء الصحي الذي يمكن تجنبه والمرتبط بسيناريو انهيار المساعدات الدولية المخصصة للصحة. وهو تحذير يعكس هشاشة تمويل بعض الخدمات الأساسية، خاصة برامج مكافحة الأمراض المعدية وصحة الأم والطفل.

وتكمن إحدى الرسائل الأساسية للتقرير في أن هذه التهديدات لا تعمل بصورة منفصلة، بل يمكن أن يعزز بعضها البعض. فقد يؤدي التغير المناخي إلى زيادة الضغط على الموارد الغذائية والمائية، فيما قد تسهم النزاعات في تعطيل الخدمات الصحية وتهجير السكان، وهو ما يرفع بدوره مخاطر سوء التغذية وانتشار الأمراض وتراجع التغطية الصحية.

وفي المقابل، قد يؤدي ضعف الأنظمة الصحية إلى زيادة الخسائر الناجمة عن هذه الأزمات، خاصة عندما تتزامن عدة تهديدات في منطقة واحدة أو خلال فترة زمنية متقاربة.

وبالنسبة للجزائر، تكتسي هذه التحذيرات أهمية من زاوية التحديات الصحية والبيئية التي تتطلب استعداداً طويل المدى، وفي مقدمتها الأمراض المزمنة ومقاومة المضادات الحيوية والتلوث والآثار الصحية لموجات الحر. غير أن التقديرات العالمية الواردة في التقرير لا تسمح وحدها بتحديد حجم المخاطر الخاصة بالبلاد، وهو ما يستدعي الاعتماد على بيانات وطنية دقيقة عند تقييم الأولويات الصحية.

ولم يكتف الخبراء بتحديد المخاطر، بل قدموا ثلاثة توجهات أساسية للتعامل معها، تتمثل في تعزيز جاهزية الأنظمة الصحية قبل وقوع الأزمات، وزيادة الاستثمار في الابتكار العلمي والتكنولوجي، وإنشاء آليات دائمة لمراقبة التهديدات وتحديث تقديراتها بصورة منتظمة.

وتشمل هذه التوجهات تطوير وسائل الوقاية والتشخيص والعلاج، والاستثمار في اللقاحات والمضادات الحيوية والتكنولوجيات المناخية، إلى جانب ضمان وصول الفئات الأكثر هشاشة إلى الابتكارات الطبية، حتى لا تصبح القدرة على مواجهة الأخطار المستقبلية امتيازاً يقتصر على البلدان الغنية.

ويشدد معدّو التقرير على أن التقديرات المقدمة ليست تنبؤات حتمية بالمستقبل، وإنما سيناريوهات علمية تهدف إلى توضيح حجم الخسائر التي يمكن تفاديها إذا اتخذت الحكومات والمؤسسات الدولية إجراءات مبكرة وفعالة.

وتضع هذه الدراسة صناع القرار أمام مسؤولية تتجاوز الاستجابة للأزمات الصحية بعد وقوعها، لتشمل معالجة العوامل التي قد تتسبب فيها أو تزيد من حدتها. فالتحدي الحقيقي، وفق النتائج التي توصل إليها الخبراء، لا يتعلق فقط بقدرة الطب على علاج الأمراض مستقبلاً، وإنما بقدرة المجتمعات على منع تحول التهديدات المعروفة اليوم إلى كوارث يصعب احتواؤها غداً.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد