صحة الفتيات تتحسن عالمياً.. لكن 290 مليون فتاة ما زلن يعشن في بلدان تعاني ضعف المؤشرات الصحية
رغم التحسن الملحوظ الذي شهدته صحة الفتيات عبر العالم خلال العقدين الماضيين، لا تزال مئات الملايين منهن يعشن في بلدان تسجل مستويات متدنية من المؤشرات الصحية، فيما تستمر مضاعفات الحمل والولادة في حصد أرواح المراهقات. هذه المفارقة كشف عنها تقرير دولي جديد أظهر أن التقدم في خفض الوفيات وتحسين الظروف الصحية لم يكن متساوياً بين الدول، وأن الفجوة الصحية التي تقلصت خلال السنوات الماضية عادت إلى الاتساع بعد جائحة كورونا.
وكشف أول مؤشر عالمي مخصص لصحة الفتيات، نُشرت نتائجه في الثامن من أكتوبر 2026، عن تحسن الأوضاع الصحية للفتيات في 178 دولة من أصل 192 دولة شملها التقييم خلال الفترة الممتدة من سنة 2000 إلى 2023. وأُنجز هذا العمل من طرف منظمة «بلان إنترناشيونال» المعنية بحقوق الأطفال، بالتعاون مع معهد الأبحاث المختص في القانون الإنساني وحفظ السلام بجامعة بوخوم الألمانية، بهدف توفير صورة أكثر دقة عن الأوضاع الصحية للفتيات ومتابعة تطورها عبر الزمن.
وشمل المؤشر أكثر من 971 مليون فتاة تتراوح أعمارهن بين خمس سنوات و19 سنة، واعتمد على خمسة مؤشرات رئيسية تتعلق بمعدلات الوفيات، وانتشار فقر الدم، والإنجاب في سن المراهقة، والوفيات المرتبطة بالحمل والولادة، وانتشار الأمراض المنقولة جنسياً.
وتكمن أهمية هذه المبادرة في أنها تحاول معالجة نقص البيانات التي تتناول الفتيات باعتبارهن فئة مستقلة، بدلاً من الاكتفاء بمؤشرات عامة تتعلق بصحة الأطفال أو النساء. فالمشكلات الصحية التي تواجهها الفتيات خلال الطفولة والمراهقة قد تختلف من حيث طبيعتها وأسبابها عن تلك التي تواجه الفئات العمرية الأخرى، وهو ما يستدعي سياسات وقائية وبرامج صحية أكثر ملاءمة لاحتياجاتهن.
وأظهرت النتائج أن معدل وفيات الفتيات على المستوى العالمي انخفض بأكثر من النصف خلال الفترة التي شملتها الدراسة. ففي سنة 2000، كانت الوفاة تسجل بمعدل يقارب فتاة واحدة من كل 800 فتاة، مقابل فتاة واحدة من كل 1700 سنة 2023، وهو تحسن يعكس التقدم الذي تحقق في مجالات الصحة العمومية والوقاية والعلاج خلال السنوات الماضية.
كما سجل التقرير تراجعاً في معدلات الإنجاب خلال سن المراهقة بنحو الثلث، حيث انخفض المؤشر من فتاة واحدة من كل 31 فتاة سنة 2000 إلى فتاة واحدة من كل 48 فتاة سنة 2023. ويكتسي هذا التطور أهمية صحية واجتماعية خاصة، بالنظر إلى المخاطر التي قد ترتبط بالحمل المبكر، سواء بالنسبة إلى صحة الأم المراهقة أو المولود.
غير أن هذه النتائج الإيجابية تخفي تفاوتات كبيرة بين البلدان، إذ كشف المؤشر أن نحو 290 مليون فتاة، أي ما يقارب ثلث الفتيات المشمولات بالتقييم، يعشن في دول تصنف ضمن البلدان ذات المؤشرات الصحية المنخفضة أو المنخفضة جداً. ويعني ذلك أن التحسن المسجل على المستوى العالمي لا يعكس بالضرورة ظروف جميع الفتيات، خاصة في المجتمعات التي تعاني محدودية الخدمات الصحية أو صعوبة الوصول إليها.
ومن أكثر النتائج إثارة للقلق استمرار الوفيات المرتبطة بالحمل والولادة بين المراهقات، حيث تشير المعطيات التي أوردها التقرير إلى وفاة ما يقارب خمس فتيات كل ساعة بسبب مضاعفات الحمل أو الولادة. ويعكس هذا الرقم استمرار مخاطر صحية يمكن الحد من جانب مهم منها من خلال المتابعة الطبية المنتظمة، وتوفير خدمات الصحة الإنجابية، والكشف المبكر عن المضاعفات والتكفل بها في الوقت المناسب.
ويؤكد المختصون أن الحمل خلال المراهقة قد يرتبط بمخاطر إضافية، خصوصاً عندما يحدث في ظروف صحية واجتماعية صعبة أو دون متابعة طبية مناسبة. كما يمكن أن تتفاقم هذه المخاطر عندما تعجز الفتيات عن الوصول إلى خدمات الوقاية والعلاج، أو عندما تحول العوائق الاجتماعية والاقتصادية دون حصولهن على الرعاية اللازمة.
ولا تقتصر التحديات الصحية التي تواجه الفتيات على الحمل المبكر، إذ يدرج المؤشر أيضاً فقر الدم ضمن العناصر الأساسية لتقييم أوضاعهن الصحية. وتبرز أهمية هذا الجانب خلال مرحلة المراهقة التي تشهد تغيرات جسدية ونمواً سريعاً، ما يزيد الحاجة إلى تغذية متوازنة تحتوي على العناصر الضرورية، وخاصة الحديد.
وقد يؤدي فقر الدم، في حال عدم تشخيصه والتكفل به، إلى الشعور المستمر بالتعب وضعف التركيز وتراجع القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية. كما يمكن أن يؤثر في الأداء المدرسي ونوعية الحياة، خصوصاً عندما يرتبط بسوء التغذية أو بمشكلات صحية أخرى تتطلب متابعة متخصصة.
ومن الجوانب اللافتة في التقرير أن التفاوتات الصحية بين البلدان، التي شهدت تقلصاً خلال العقدين الماضيين، عادت إلى الاتساع بعد جائحة كورونا. فقد سجل المؤشر أضيق فجوة بين البلدان ذات المؤشرات الصحية المرتفعة وتلك الأقل أداءً خلال سنتي 2020 و2021، قبل أن يبدأ هذا التفاوت في الارتفاع مجدداً سنة 2022.
وتثير هذه النتيجة تساؤلات حول قدرة الأنظمة الصحية على الحفاظ على المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجهها الخدمات الصحية في العديد من المناطق. كما تبرز أهمية متابعة المؤشرات على المدى الطويل، لأن التحسن العالمي قد يتواصل في الوقت الذي تتراجع فيه أوضاع بعض الفئات أو البلدان.
ويرى القائمون على المؤشر أن تحسين صحة الفتيات يتطلب أكثر من توفير الخدمات العلاجية، إذ يستدعي أيضاً تعزيز الوقاية والتثقيف الصحي، وضمان الوصول إلى الرعاية الطبية، وتوجيه الاستثمارات نحو الفئات التي لم تستفد بالقدر الكافي من التقدم المسجل عالمياً.
كما يشدد التقرير على ضرورة أخذ تأثير النزاعات والنزوح والتغيرات المناخية بعين الاعتبار عند إعداد السياسات الصحية، بالنظر إلى ما قد تسببه هذه العوامل من اضطراب في الخدمات الأساسية وتفاقم الصعوبات التي تواجه الفئات الأكثر هشاشة.
وبالنسبة للجزائر، تطرح هذه النتائج أهمية إعطاء اهتمام مستمر لصحة الفتيات خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة، خاصة فيما يتعلق بالكشف عن فقر الدم والاضطرابات الغذائية، وتعزيز خدمات الصحة المدرسية، وضمان المتابعة الطبية والتوعية الصحية الملائمة لهذه الفئة العمرية. غير أن النتائج العالمية لا تسمح وحدها باستخلاص حكم محدد بشأن الوضع الصحي للفتيات في البلاد دون الرجوع إلى البيانات الوطنية المفصلة.
ولا يدعي المؤشر الجديد أنه يقدم صورة شاملة عن جميع جوانب حياة الفتيات، إذ تقتصر نسخته الأولى على المجال الصحي، على أن يتوسع المشروع في نسخة مرتقبة سنة 2028 ليشمل التعليم والحماية والفرص والمشاركة في الحياة العامة.
وتكشف النتائج في مجملها أن التقدم الصحي الذي تحقق خلال أكثر من عقدين يمثل مكسباً مهماً، لكنه لا يكفي للحكم على وضع الفتيات في العالم من خلال المتوسطات العامة وحدها. فبين انخفاض الوفيات وتحسن المؤشرات في غالبية البلدان، لا تزال ملايين الفتيات يواجهن ظروفاً صحية صعبة، بما يجعل تقليص الفوارق في الحصول على الوقاية والرعاية الطبية أحد التحديات الأساسية خلال السنوات المقبلة.
مالك سعدو