لماذا يصاب بعض الأشخاص بالحمى بعد التلقيح دون غيرهم؟ دراسة تكشف دور بكتيريا الأمعاء

لماذا ترتفع درجة حرارة بعض الأشخاص بعد تلقي اللقاح، بينما لا يشعر آخرون سوى بأعراض خفيفة أو لا تظهر عليهم أي أعراض؟ سؤال يرتبط باختلاف استجابة الجسم للقاحات، ويبدو أن العلماء اقتربوا من فهم أحد أسبابه. فقد كشفت دراسة علمية حديثة أن البكتيريا التي تعيش داخل الأمعاء قد تؤدي دوراً مهماً في تحديد شدة الحمى التي تظهر عقب التلقيح، وهو اكتشاف يفتح آفاقاً جديدة لفهم العلاقة بين صحة الأمعاء والجهاز المناعي.

ونُشرت الدراسة في الثامن من أكتوبر 2026 بالمجلة العلمية المرموقة «Science»، وأجراها فريق دولي من الباحثين بمشاركة معهد ماكس بلانك لعلم الأحياء بألمانيا، ومعهد باستور والمعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحث الطبي «Inserm»، إلى جانب مؤسسات بحثية من الولايات المتحدة وكندا.

وتنطلق الدراسة من ملاحظة يعرفها كثير من الأشخاص الذين تلقوا اللقاحات، وهي أن الأعراض التي تظهر بعد التطعيم تختلف من شخص إلى آخر، حتى عندما يتعلق الأمر باللقاح نفسه. فبينما يعاني البعض ارتفاعاً في درجة الحرارة وإرهاقاً وآلاماً عضلية، يواصل آخرون أنشطتهم اليومية دون الشعور بتغيرات ملحوظة.

وكانت هذه الاختلافات تُفسَّر عادة بعوامل متعددة، من بينها العمر والحالة الصحية وطبيعة الاستجابة المناعية. غير أن الباحثين حاولوا هذه المرة معرفة ما إذا كانت الكائنات المجهرية الموجودة في الأمعاء تساهم بدورها في تحديد شدة التفاعل الالتهابي الذي يحدث بعد التلقيح.

وشملت الدراسة 171 شخصاً بالغاً يتمتعون بصحة جيدة، تلقوا لقاحات مضادة لفيروس كورونا تعتمد على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال. وتابع العلماء المشاركين قبل التلقيح وبعده، من خلال تحليل عينات من البراز لدراسة تركيبة البكتيريا المعوية، وقياس درجة حرارة الجسم، وفحص مؤشرات مرتبطة بالاستجابة المناعية.

وأظهرت النتائج وجود علاقة بين شدة الحمى التي ظهرت بعد التلقيح وبين خصائص معينة للبكتيريا الموجودة في أمعاء المشاركين قبل حصولهم على اللقاح. فقد تبين أن الأشخاص الذين سجلوا درجات حرارة أعلى كانت لديهم مؤشرات أكبر على نشاط بكتيريا تنتج بروتيناً يعرف باسم «الفلاجيلين»، وهو بروتين يدخل في تركيب الأسواط الدقيقة التي تستخدمها بعض البكتيريا للحركة.

ويكتسي هذا البروتين أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على مساعدة البكتيريا على التنقل، بل يستطيع الجهاز المناعي التعرف عليه باعتباره إشارة بيولوجية تحفز بعض التفاعلات الالتهابية. ويرجح الباحثون أن وجود مستويات مرتفعة من هذا البروتين قد يجعل الجهاز المناعي في حالة استعداد أكبر للاستجابة الالتهابية، وهو ما قد يفسر جزئياً ارتفاع درجة الحرارة لدى بعض الأشخاص بعد التطعيم.

وللتحقق من هذه الفرضية، لم يكتف العلماء بالملاحظات المسجلة لدى المتطوعين، بل أجروا تجارب إضافية باستخدام نماذج مخبرية لأنسجة الأمعاء البشرية، إلى جانب تجارب على فئران خضعت لظروف تسمح بدراسة تأثير أنواع محددة من البكتيريا.

وأظهرت التجارب أن البكتيريا المعوية المأخوذة من أشخاص سجلوا حمى أكثر شدة كانت قادرة على إثارة استجابة التهابية أقوى في النماذج المخبرية. كما ساهم نقل هذه المجتمعات البكتيرية إلى الفئران في تعزيز بعض التفاعلات الالتهابية المرتبطة بالتلقيح، مع ظهور دور واضح للبروتين البكتيري المذكور.

وتوفر هذه النتائج دعماً تجريبياً لفكرة أن بكتيريا الأمعاء قد تكون طرفاً فاعلاً في تحديد شدة بعض الأعراض المصاحبة للتلقيح، بدلاً من أن تكون مجرد عامل يرتبط بها إحصائياً. ومع ذلك، فإن إثبات هذه الآلية لدى الحيوانات وفي النماذج المخبرية لا يعني بالضرورة أنها تعمل بالطريقة نفسها أو بالقوة ذاتها لدى جميع البشر.

ومن الجوانب التي أثارت اهتمام الباحثين أيضاً العلاقة المحتملة بين النظام الغذائي ونشاط البكتيريا المعوية. فقد أظهرت التجارب على الحيوانات أن تعديل الغذاء يمكن أن يؤثر في قدرة بعض البكتيريا على إنتاج بروتين الفلاجيلين، وأن هذه التغيرات قد تنعكس على شدة التفاعلات الالتهابية بعد التلقيح.

كما لاحظ العلماء وجود ارتباطات بين الأنماط الغذائية التي صرح بها المشاركون في الدراسة وبين بعض المؤشرات المرتبطة بالحمى. غير أن هذه النتائج لا تثبت أن تناول أغذية معينة أو تجنب أخرى قبل التطعيم يمكن أن يمنع ارتفاع درجة الحرارة لدى الإنسان.

ويؤكد المختصون أن العلاقة بين التغذية والميكروبيوم المعوي والجهاز المناعي معقدة، وتتأثر بعوامل عديدة، منها التنوع البكتيري والحالة الصحية العامة والعادات الغذائية طويلة المدى. ولذلك فإن الانتقال من هذه النتائج المخبرية إلى توصيات غذائية محددة يتطلب دراسات سريرية إضافية.

وتفتح هذه الدراسة مجالاً جديداً لفهم التفاعلات التي تحدث في الجسم بعد التلقيح، لكنها لا تعني أن ارتفاع درجة الحرارة يمثل بالضرورة دليلاً على فعالية أكبر للقاح، كما أن غياب الحمى لا يدل على ضعف الحماية المناعية. فالحمى تعكس جانباً من الاستجابة الالتهابية، بينما تعتمد فعالية التلقيح على عمليات مناعية متعددة، من بينها تكوين الأجسام المضادة وتنشيط الخلايا المناعية المتخصصة.

ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن الدراسة تناولت لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال المضادة لفيروس كورونا تحديداً، وبالتالي لا يمكن تعميم نتائجها تلقائياً على جميع اللقاحات المستخدمة ضد الأمراض الأخرى، سواء لدى البالغين أو الأطفال.

ويرى الباحثون أن فهم دور الميكروبيوم المعوي قد يساعد مستقبلاً على تطوير وسائل تسمح بتخفيف بعض الأعراض غير المرغوبة بعد التطعيم، دون التأثير سلباً في الحماية المناعية التي توفرها اللقاحات. لكن هذا الاحتمال لا يزال في مرحلة البحث، ولم يتحول إلى تدخل وقائي مثبت الفعالية لدى الإنسان.

وتعيد النتائج تسليط الضوء على الدور الواسع الذي تؤديه الكائنات المجهرية الموجودة في الأمعاء، والتي لا تقتصر وظائفها على المساعدة في الهضم، بل تساهم أيضاً في تنظيم نشاط الجهاز المناعي وتفاعله مع المؤثرات الخارجية.

وبينما تتواصل الأبحاث لفهم هذه العلاقة بصورة أدق، تقدم الدراسة تفسيراً علمياً محتملاً لظاهرة مألوفة بعد التلقيح، وتؤكد أن استجابة الجسم للقاحات لا تتحدد فقط بطبيعة المادة المحقونة، وإنما تتأثر أيضاً بخصائص بيولوجية تختلف من شخص إلى آخر، قد تكون بكتيريا الأمعاء أحد عناصرها المهمة.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد