الرياضة لا تقوّي العضلات فحسب… دراسة تكشف كيف تعكس الشيخوخة من داخل الخلايا
كشفت دراسة علمية حديثة عن السر البيولوجي الذي يجعل ممارسة الرياضة من أكثر الوسائل فعالية للحفاظ على قوة العضلات مع التقدم في العمر، إذ تبين أنها لا تكتفي بتقوية الألياف العضلية، بل تعيد برمجة آليات العمل داخل الخلايا، ما يسمح بعكس جزء من التغيرات المرتبطة بالشيخوخة.
وتوصل باحثون من كلية ديوك-إن يو إس للطب في سنغافورة إلى أن التمارين البدنية المنتظمة تؤثر مباشرة في نشاط جين يُعرف باسم DEAF1، وهو جين يلعب دوراً محورياً في تسارع شيخوخة العضلات. ونُشرت نتائج الدراسة في يونيو 2026، لتقدم تفسيراً علمياً جديداً للعلاقة الوثيقة بين النشاط البدني وطول العمر الصحي.
وأوضح الباحثون أن مستويات هذا الجين ترتفع تدريجياً مع التقدم في السن، وهو ما يضعف قدرة الخلايا العضلية على التخلص من البروتينات والمكونات التالفة عبر آلية تعرف بـ”التنظيف الذاتي” (Autophagy). ومع تراكم هذه الفضلات الخلوية، تبدأ العضلات بفقدان قوتها ومرونتها، لتظهر تدريجياً أعراض الوهن العضلي المرتبط بالشيخوخة.
غير أن المفاجأة كانت في أن ممارسة الرياضة تعمل على خفض نشاط هذا الجين، الأمر الذي يعيد تنشيط آليات الإصلاح الطبيعية داخل الخلايا، ويحسن قدرتها على التخلص من التلف المتراكم، بما يساهم في استعادة جزء من كفاءة العضلات ويبطئ تدهورها مع مرور الزمن.
وللتأكد من هذه الفرضية، أجرى الفريق البحثي تجارب على نماذج حيوانية، أظهرت أن تعطيل نشاط جين DEAF1 أدى إلى تحسن واضح في بنية العضلات ووظيفتها، حتى لدى الكائنات المتقدمة في العمر، ما يشير إلى أن هذا الجين يمثل أحد المفاتيح الأساسية للتحكم في الشيخوخة العضلية.
ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يفتح آفاقاً جديدة لتطوير علاجات تستهدف هذا المسار الجزيئي، بهدف مساعدة الأشخاص الذين يصعب عليهم ممارسة النشاط البدني، مثل كبار السن أو المرضى المصابين بأمراض مزمنة، على الاستفادة من بعض التأثيرات الوقائية التي تحققها الرياضة. غير أنهم شددوا على أن هذه النتائج لا تزال في مراحلها البحثية، وتحتاج إلى تجارب سريرية للتأكد من فعاليتها لدى الإنسان.
وتكتسب هذه النتائج أهمية متزايدة في ظل الارتفاع المستمر في متوسط العمر المتوقع عالمياً، إذ يُعد فقدان الكتلة العضلية والقوة البدنية من أبرز التحديات الصحية التي تواجه كبار السن، لما يرتبط به من زيادة خطر السقوط والكسور وفقدان الاستقلالية.
وتؤكد هذه الدراسة مجدداً أن فوائد الرياضة تتجاوز تحسين اللياقة البدنية أو الحفاظ على الوزن، لتصل إلى مستوى أدق داخل الخلايا، حيث تعيد تنشيط برامج الإصلاح الذاتي وتحافظ على حيوية العضلات، ما يمنح الجسم فرصة أفضل لمقاومة آثار الشيخوخة والاحتفاظ بقدرته على الحركة والنشاط لسنوات أطول.
فاطمة الزهراء عاشور