« القاتل الصامت » يفرض تغيير قواعد العلاج في الجزائر… أطباء يدعون إلى ثورة في مواجهة أمراض القلب والسكري
في وقت تتزايد فيه معدلات الإصابة بارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب، دعا أطباء ومختصون جزائريون إلى تغيير طريقة التعامل مع المرضى المصابين بما بات يُعرف بـ«المتلازمة القلبية الكلوية الأيضية»، مؤكدين أن العلاج لم يعد يقتصر على وصف الدواء، بل أصبح يتطلب تنسيقًا حقيقيًا بين عدة تخصصات طبية، مع التركيز على الوقاية والتشخيص المبكر وتحسين تواصل الطبيب مع المريض.
وجاءت هذه الدعوات خلال الطبعة الثالثة من “SERVIER Cardiometabolic Summit”، التي جمعت أكثر من 300 مختص في أمراض القلب والسكري والطب الباطني، في لقاء علمي خُصص لمناقشة التحديات الجديدة المرتبطة بالأمراض القلبية والتمثيل الغذائي وأمراض الكلى، من خلال ورشات تفاعلية ودراسة حالات سريرية واقعية.
وأكد المشاركون أن الجزائر تواجه اليوم تحولًا في طبيعة الأمراض المزمنة، حيث لم يعد بالإمكان الفصل بين السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والقصور الكلوي، بالنظر إلى الترابط العضوي المعقد بينها، وهو ما يفرض، بحسبهم، تجاوز المقاربة التقليدية القائمة على التخصص الواحد.
وفي هذا السياق، أوضحت البروفيسور داليا جرمان، الأستاذة المحاضرة في أمراض القلب بالمؤسسة العمومية الاستشفائية بتيبازة، أن السنوات الأخيرة كشفت عن “قاسم مشترك” بين هذه الأمراض يتمثل في المتلازمة القلبية الكلوية الأيضية، معتبرة أن السمنة واختلال وظائف النسيج الدهني يشكلان نقطة الانطلاق لمسار مرضي يتطور تدريجيًا نحو ارتفاع الضغط والسكري ثم المضاعفات القلبية.
وشددت المتحدثة على أهمية اعتماد “مقاربة استباقية وقائية” تقوم على الكشف المبكر والمتابعة المنتظمة وتحسين التزام المرضى بالعلاج، محذرة في الوقت نفسه من ظاهرة “الجمود العلاجي” التي تؤدي إلى تأخير وصف بعض العلاجات أو التردد في استعمالها خوفًا من آثارها الجانبية، سواء من طرف المرضى أو حتى بعض الأطباء.
كما دعت إلى تعزيز تعويض الأدوية الأساسية وتوسيع برامج إعادة التأهيل القلبي، معتبرة أن الوقاية تبقى أقل تكلفة وأكثر فعالية من علاج المضاعفات المتقدمة.
من جهتها، سلطت الدكتورة نوال سمايلي، المختصة في تصوير القلب والأوعية الدموية، الضوء على التحول الذي تعرفه أمراض القلب مع التطور المتسارع لتقنيات التصوير القلبي، مؤكدة أن “طبيب القلب في المستقبل يجب أن يكون متمكنًا من التصوير القلبي الوعائي لممارسة طب دقيق ومتطور”.
ولم تقتصر الرسائل التي حملها اللقاء على الجانب العلاجي فقط، بل امتدت إلى ضرورة رفع مستوى الوعي الصحي لدى المواطنين، خاصة في ما يتعلق بارتفاع ضغط الدم الذي وصفته الدكتورة سمايلي بـ«القاتل الصامت الأول»، داعية إلى القياس المنزلي المنتظم للضغط، والمتابعة الطبية الدورية، وإجراء فحص قلبي ابتداءً من سن الأربعين حتى قبل ظهور المضاعفات.
بدوره، أكد الدكتور شفيق بطهار، مدير التسويق بمخابر “سيرفيي كلينيكا”، أن هذا اللقاء العلمي يعكس أهمية التكوين الطبي المستمر والتبادل بين التخصصات المختلفة لتحسين التكفل بالمرضى في الجزائر، مشيرًا إلى أن المؤسسة تسعى أيضًا إلى تطوير أدوات جديدة لتحسين العلاقة بين الطبيب والمريض، من بينها مقاربة “Process Com” التي تقوم على فهم أنماط التواصل الإنساني بما يتجاوز الجانب الدوائي التقليدي.
ويبدو أن الرسالة الأساسية التي خرج بها المشاركون تتمثل في أن معركة أمراض القلب والسكري لم تعد تُحسم داخل عيادة واحدة أو عبر تخصص منفرد، بل من خلال منظومة متكاملة تبدأ بالوقاية والتوعية، وتمر بالتشخيص المبكر والتنسيق الطبي، قبل الوصول إلى العلاج والمتابعة طويلة المدى.
مريم عزون