الصحة المهنية في الجزائر: نحو استراتيجية وطنية للوقاية المستدامة داخل المؤسسات

في خطوة تعكس توجهاً متزايداً نحو ترسيخ ثقافة الوقاية داخل المؤسسات، احتضن المعهد الوطني للصحة العمومية، اليوم الأربعاء، يوماً علمياً جمع مختلف الهيئات الوطنية والخبراء والشركاء الاجتماعيين، لمناقشة سبل بناء استراتيجية وقائية مستدامة في الوسط المهني، تحت شعار: «الطب المهني في المؤسسات: مساهمة التعاون بين الهيئات الوطنية في الوقاية المستدامة».

وأشرف على افتتاح اللقاء المدير العام للمعهد الوطني للصحة العمومية، البروفيسور بوعمرة عبد الرزاق، الذي أكد في كلمته أن حماية صحة العمال لم تعد تقتصر على التدخل بعد وقوع الحوادث أو ظهور الأمراض، بل أصبحت ترتكز أساساً على تطوير منظومة طب العمل وتعزيز آليات الوقاية الاستباقية داخل المؤسسات.

وشدد بوعمرة على أن مصالح طب العمل تؤدي دوراً محورياً في مراقبة صحة العمال والكشف المبكر عن الأمراض المهنية، إلى جانب الوقاية من مختلف الأخطار المرتبطة ببيئة العمل، معتبراً أن تحقيق “الوقاية المستدامة” يمر حتماً عبر اعتماد مقاربة تشاركية تجمع قطاع الصحة بمختلف الهيئات الوطنية والفاعلين الاجتماعيين.

ولم يغفل اللقاء البعد النفسي والاجتماعي للعامل، حيث أبرز المدير العام للمعهد أن السلامة المهنية لم تعد مرتبطة فقط بالحوادث الجسدية، بل تشمل كذلك الصحة العقلية والرفاه النفسي داخل أماكن العمل. وأوضح أن الضغوط المهنية المتزايدة أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الحديثة، ما يستدعي تعزيز برامج المرافقة النفسية وتحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والشخصية للعمال، بما ينعكس إيجاباً على الإنتاجية وجودة الأداء.

وشهد البرنامج العلمي سلسلة من الجلسات والمحاضرات المكثفة التي تناولت حصيلة نشاطات طب العمل في الجزائر وآفاق تطويرها، حيث تم استعراض أبرز الإنجازات المحققة، إلى جانب التحديات الميدانية التي تواجه مهنيي الصحة والسلامة المهنية.

كما حظي ملف التكوين باهتمام واسع خلال النقاشات، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها عالم العمل وظهور مخاطر مهنية جديدة، إذ دعا المشاركون إلى ضرورة رفع كفاءة الفاعلين في مجال الصحة المهنية وتحيين برامج التكوين بما يتماشى مع المعايير الدولية ومتطلبات الوقاية الحديثة.

وفي سياق متصل، ركزت المداخلات على المخاطر الكيميائية داخل أماكن العمل، حيث حذر الخبراء من الاكتفاء بمنطق التدخل بعد وقوع الحوادث، داعين إلى الانتقال نحو نموذج يقوم على الوقاية الدائمة والاستباقية، من خلال تعزيز الرقابة وتطوير آليات الرصد والتوعية داخل المؤسسات.

كما سلط المشاركون الضوء على المقاربات الحديثة لترقية الصحة في العمل، والتي تتجاوز مفهوم الحماية التقليدية لتشمل تحسين جودة الحياة المهنية والكشف المبكر عن الأمراض المهنية، بما يضمن حماية متكاملة للصحة الجسدية والنفسية للعامل، ويعزز في الوقت نفسه استقرار المؤسسات و مردوديتها.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد