فيتامين D خارج معادلة الشمس: حين تكشف التغذية ما لم يعد الضوء قادراً على تعويضه
لم يعد فيتامين D ذلك العنصر الذي يمكن الاطمئنان إليه بمجرد التعرض لأشعة الشمس. في زمن تغيّرت فيه أنماط الحياة، وتقلّصت فيه ساعات الضوء داخل يوم الإنسان، بات هذا الفيتامين الحيوي عنواناً لاختلال صامت يطال الملايين، حتى في البلدان المشمسة. المفارقة أن “فيتامين الشمس” لم يعد مضموناً بالشمس نفسها، بل صار رهين ما نضعه في أطباقنا.
تُظهر المعطيات الحديثة أن بعض الأطعمة تتفوق بوضوح على السلمون، الذي ظل لسنوات مرجعاً غذائياً في هذا المجال. في مقدمة هذه المصادر يأتي زيت كبد الحوت، الذي يبدو أقرب إلى مكمل طبيعي فائق التركيز، حيث تكفي ملعقة صغيرة لتغطية الاحتياجات اليومية وربما تجاوزها. هذا التركيز العالي يفسر مكانته التاريخية في الطب الوقائي، لكنه يفرض في الوقت ذاته قدراً من الحذر في الاستهلاك بسبب غناه بعناصر أخرى.
في المقابل، يبرز الفطر المعالج بالأشعة فوق البنفسجية كاستثناء نباتي لافت، ينجح في كسر القاعدة التي تربط فيتامين D بالمنتجات الحيوانية. هذا التحول العلمي البسيط في طريقة إنتاجه جعله مصدراً حقيقياً يمكن أن ينافس أقوى الأغذية التقليدية، وهو ما يفتح الباب أمام خيارات جديدة، خاصة لدى من يتبعون أنظمة غذائية نباتية.
أما في عالم الأسماك، فلا يحتفظ السلمون بالصدارة دائماً. فبعض الأنواع، مثل التروت، تقدم مستويات أعلى من فيتامين D، ما يعيد ترتيب خريطة الأغذية البحرية ويؤكد أن التنوع، لا التكرار، هو مفتاح التوازن الغذائي. وبين هذه المصادر وتلك، تبقى منتجات مدعمة مثل الحليب والحبوب، إضافة إلى البيض والأسماك الصغيرة، عناصر مكملة لا غنى عنها في مواجهة نقص آخذ في الاتساع.
تكمن خطورة هذا النقص في طابعه غير المرئي. فهو لا يُكتشف غالباً إلا بعد أن ينعكس على صحة العظام أو ضعف المناعة أو اضطرابات أخرى أكثر تعقيداً. وفي ظل نمط حياة يغلب عليه البقاء داخل الأماكن المغلقة، يصبح الاعتماد على الشمس وحدها خياراً غير كافٍ، بل مضللاً في بعض الأحيان.
هكذا، يتغير موقع فيتامين D من مجرد عنصر مرتبط بالمناخ إلى مؤشر على تحولات أعمق في أسلوب العيش. لم يعد السؤال: هل نتعرض للشمس بما يكفي؟ بل أصبح: هل نأكل بذكاء ما يعوض ما لم تعد الطبيعة تمنحه بسهولة؟
فاطمة الزهراء عاشور