عالم يشيخ بسرعة… والسرطان يتقدّم بالأرقام: نحو انفجار صحي بحلول 2050

لم تعد الشيخوخة مجرّد مؤشر ديمغرافي على تحسّن متوسط العمر، بل تحوّلت—وفق دراسة حديثة نُشرت في Cancer Journal—إلى محرّك رئيسي لارتفاع غير مسبوق في عبء السرطان عالميًا، بأرقام تُنذر بتحوّل عميق في خريطة الأمراض خلال العقود المقبلة.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لقاعدة بيانات السرطان العالمية (GLOBOCAN) مع نماذج تنبؤية دقيقة، وتكشف أن العالم سجّل سنة 2022 نحو 20 مليون حالة سرطان جديدة، وقرابة 9.7 ملايين وفاة. لكن ما يلفت الانتباه ليس الرقم الإجمالي فقط، بل توزيعه العمري:
65% من الإصابات سُجّلت لدى من هم فوق 60 سنة، مقابل 74% من الوفيات، ما يؤكد أن السرطان أصبح، أكثر من أي وقت مضى، مرض الشيخوخة بامتياز.

الأرقام تصبح أكثر حدّة عند النظر إلى الفئات العمرية المتقدمة: الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 70 سنة يمثلون وحدهم نسبة تقارب 50% من الوفيات المرتبطة بالسرطان، رغم أنهم يشكّلون أقل بكثير من هذه النسبة في التركيبة السكانية العالمية.

لكن التحول الحقيقي يظهر في الأفق. فبحلول عام 2050، تتوقع النماذج أن يرتفع عدد الحالات الجديدة إلى ما بين 30 و35 مليون إصابة سنويًا، مع تضاعف شبه كامل لحالات السرطان لدى كبار السن، لتتجاوز 22 مليون حالة في هذه الفئة وحدها. أما الوفيات، فقد تصل إلى 13–16 مليون وفاة سنويًا، وهو ما يعني زيادة تفوق 60% مقارنة بمستويات 2022.

الدراسة تربط هذا الارتفاع بتغير ديمغرافي حاد: عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا مرشح للارتفاع من حوالي 1 مليار حاليًا إلى أكثر من 2.1 مليار بحلول 2050. هذه القفزة وحدها كفيلة بإعادة تشكيل العبء الصحي العالمي، حيث يصبح كل نظام صحي مطالبًا بالتعامل مع موجة مزمنة من الأمراض المرتبطة بالعمر.

ولا يتوزع هذا العبء بالتساوي. ففي الدول ذات الدخل المرتفع، تصل معدلات الإصابة إلى أكثر من 300 حالة لكل 100 ألف نسمة، بفضل أنظمة كشف مبكر أكثر فعالية. في المقابل، تسجل الدول منخفضة ومتوسطة الدخل معدلات وفيات أعلى بكثير، حيث تتجاوز 70% من الوفيات العالمية بالسرطان، بسبب التأخر في التشخيص وضعف الوصول إلى العلاج.

الفجوة بين الجنسين حاضرة بدورها بالأرقام: الرجال يسجلون معدلات إصابة ووفيات أعلى بنحو 20 إلى 30% مقارنة بالنساء، خاصة في سرطانات الرئة والكبد والمعدة، المرتبطة بعوامل سلوكية مثل التدخين والنظام الغذائي.

اقتصاديًا، تشير التقديرات إلى أن التكلفة العالمية للسرطان قد تتجاوز 25 تريليون دولار بحلول 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية، ما يجعل القضية ليست فقط أزمة صحية، بل تهديدًا مباشرًا للاستدامة الاقتصادية للأنظمة الصحية.

الرسالة التي تفرضها هذه الأرقام قاسية وواضحة: العالم يدخل مرحلة يصبح فيها السرطان نتيجة شبه “طبيعية” للشيخوخة، وليس استثناءً. ومع غياب سياسات استباقية قوية—تركّز على الوقاية، والكشف المبكر، ورعاية المسنين—فإن هذا “الانفجار الصامت” قد يتحول إلى أحد أكبر التحديات الصحية في القرن الحادي والعشرين.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد