التوحد في قلب السياسات العمومية: نحو منظومة وطنية متكاملة للتكفل والإدماج
أعادت السلطات العمومية، اليوم الخميس 2 أفريل 2026، وضع ملف اضطراب طيف التوحد في صدارة النقاش، من خلال إحياء اليوم العالمي للتوعية بهذه الحالة، في سياق يتجه نحو إعادة هيكلة شاملة لسياسات التكفل والإدماج في الجزائر.
الفعالية، التي احتضنتها المدرسة العليا لأساتذة الصم والبكم “العلامة الشيخ المجاهد محمد الطاهر آيت علجت” ببني مسوس، جاءت تحت شعار “التكفل الجيد والشامل للجميع”، في دلالة واضحة على تحول تدريجي من مقاربة اجتماعية تقليدية إلى رؤية متعددة الأبعاد، تجمع بين البعد الصحي والتربوي والنفسي.
في هذا الإطار، لم تقتصر المناسبة على الطابع الرمزي، بل تميزت بتنظيم ورشات تكوينية وتأطيرية استهدفت مختلف الفاعلين في منظومة التكفل، من أخصائيين نفسانيين ومساعدين اجتماعيين وإطارات الخلايا الجوارية للتضامن. وركزت هذه الورشات على رفع الكفاءة المهنية وتعزيز الأدوات التقنية، بالاعتماد على مقاربات علمية حديثة، أبرزها التشخيص المبكر والتدخل متعدد التخصصات.
وتندرج هذه الديناميكية ضمن امتداد للورشات الوطنية التي أُطلقت في فيفري 2026، والمتعلقة بالبرنامج البيداغوجي والتربوي الجديد، حيث تم التأكيد على أن الكشف المبكر عن العلامات الأولية للتوحد يمثل نقطة التحول الأساسية، القادرة على تقليص آثار الاضطراب وتحسين فرص الإدماج الاجتماعي والتعليمي للأطفال.
كما شدد المشاركون على أهمية العمل الشبكي والتنسيق المؤسساتي، باعتباره شرطاً ضرورياً للانتقال من تدخلات مجزأة إلى منظومة متكاملة، تقوم على التقييم المستمر، والتخطيط البيداغوجي، والتأهيل النفسي والسلوكي.
على الصعيد المؤسساتي، برز إعلان تعزيز آليات التكفل من خلال إنشاء المركز الوطني للتوحد، الذي يُنظر إليه كركيزة استراتيجية لتوحيد جهود الدولة والمجتمع المدني. هذا المركز، وفق ما أكدته وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، د. صورية مولوجي، في كلمة ألقاها نيابة عنها المدير العام لحماية الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة مراد بن امزال، يهدف إلى بناء منظومة وطنية متكاملة تبدأ من التشخيص المبكر، مروراً بالعلاج والتأهيل، وصولاً إلى الإدماج الاجتماعي والمهني.
ويعكس هذا التوجه، بحسب الوزارة، إرادة سياسية أعلى، في إشارة إلى دعم رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لملف التكفل بالأشخاص المصابين بالتوحد، ضمن رؤية أوسع ترتكز على العدالة الاجتماعية وتحسين جودة الحياة.
غير أن التحدي الحقيقي، كما يراه مختصون، لا يكمن فقط في إطلاق المبادرات، بل في ضمان استمراريتها وفعاليتها على الأرض، عبر توفير الموارد البشرية المؤهلة، وتعميم البرامج التكوينية، وتقليص الفوارق الجغرافية في خدمات التكفل.
في المحصلة، يبدو أن الجزائر تخطو نحو إعادة تعريف مقاربتها لاضطراب طيف التوحد، من ملف اجتماعي هامشي إلى قضية تنموية متكاملة، حيث يصبح الإدماج معياراً لنجاح السياسات العمومية، لا مجرد شعار ظرفي.
مريم عزون