البوراك في رمضان: قرمشة يومية… وثمن دهني غير مرئي
قبل أن تصل الشوربة إلى منتصف الملعقة، يكون البوراك قد حُسم أمره. تلك اللفافة الذهبية المقرمشة تكاد تكون عنصرًا غير قابل للنقاش على مائدة الإفطار الجزائرية. حضورها يومي، وتنوع حشواتها يمنحها شرعية دائمة: لحم مفروم، دجاج، جبن، بطاطا، أو حتى خضر. لكن خلف هذا الإجماع الذوقي، يطرح سؤال غذائي نفسه بهدوء: ماذا يعني استهلاك البوراك يوميًا خلال شهر كامل؟
من الناحية التركيبية، يجمع البوراك بين ثلاثة عناصر كثيفة الطاقة: عجين رقيق مصنوع من الدقيق الأبيض، حشوة قد تحتوي على دهون حيوانية أو أجبان، ثم مرحلة القلي في الزيت. هذا الثلاثي يجعل القطعة الواحدة أعلى سعرات مما يبدو عليه حجمها. المشكلة لا تكمن في قطعة معزولة، بل في التكرار اليومي داخل وجبة أصلاً غنية بالنشويات والحلويات.
القلي هو النقطة الأكثر حساسية. عند غمر العجين في الزيت الساخن، يمتص جزءًا منه، خاصة إذا لم تكن درجة الحرارة مضبوطة. كما أن إعادة استخدام الزيت عدة مرات — وهي ممارسة شائعة في بعض البيوت — قد يؤدي إلى تدهور جودته وتكوّن مركبات غير مرغوبة. هنا لا نتحدث فقط عن سعرات إضافية، بل عن جودة دهنية أقل.
فسيولوجيًا، يبدأ الجسم إفطاره بعد ساعات صيام طويلة. إدخال كمية معتبرة من الدهون المقلية في الدقائق الأولى قد يبطئ عملية الهضم ويُشعر بالثقل، خصوصًا إذا تزامن مع سكريات سريعة من المشروبات أو الحلويات. كثيرون يفسرون هذا الشعور بأنه “تعب طبيعي بعد الصيام”، بينما يكون جزء منه مرتبطًا بتركيبة الوجبة نفسها.
لكن البوراك ليس متهمًا بحد ذاته. الفرق يصنعه السياق. حشوة غنية بالخضر مع كمية معتدلة من البروتين تختلف غذائيًا عن حشوة تعتمد أساسًا على الجبن المالح أو اللحم الدسم. كما أن التحضير في الفرن بدل القلي يقلل بشكل واضح من كمية الدهون الممتصة، دون أن يفقد الطبق هويته بالكامل. قد تتغير درجة القرمشة قليلًا، لكن التوازن الغذائي يتحسن.
هناك أيضًا بُعد سلوكي. لأن البوراك يُقدَّم في بداية الإفطار، يُستهلك غالبًا بسرعة، قبل أن يصل الإحساس الحقيقي بالشبع إلى الدماغ. وهنا يحدث ما يسميه اختصاصيو التغذية “السعرات غير المحسوبة”: نأكل أكثر مما نحتاج فقط لأن الإيقاع سريع.
في سياق ترتفع فيه معدلات زيادة الوزن خلال رمضان، يصبح التفكير في التفاصيل الصغيرة خطوة عملية. ليس المطلوب حذف البوراك من المائدة، بل إعادة تعريف مكانته: ليس عنصرًا يوميًا ثابتًا، بل خيارًا متوازنًا يُحضّر بطريقة أخف ويُستهلك بوعي.
رمضان ليس موسمًا للحرمان، لكنه أيضًا ليس اختبارًا لقدرة المعدة على الاحتمال. وبين قرمشة محببة وثمن دهني غير مرئي، يبقى القرار في الكمية، في طريقة التحضير، وفي عدد المرات التي نختار فيها أن نقول: قطعة واحدة تكفي.
فاطمة الزهراء عاشور