الزلابية في رمضان: متعة رمضانية بطعم تقليدي… وسؤال عن الكمية لا عن المنع
مع اقتراب أذان المغرب، تمتد طوابير أمام محلات الحلويات في مدن الجزائر. رائحة القلي وقطر العسل تختلط بصخب الشارع، والزلابية تتصدر المشهد كرمز لا يكاد يغيب عن المائدة الرمضانية. لكنها، بعيدًا عن بعدها الثقافي والاحتفالي، تطرح سؤالًا غذائيًا مشروعًا: كيف يمكن الاستمتاع بها دون أن تتحول إلى عبء صحي؟
الزلابية ليست مجرد حلوى. إنها جزء من الذاكرة الجماعية، خصوصًا في مدن مثل بوفاريك التي ارتبط اسمها تاريخيًا بهذه الحلوى، حتى أصبحت مقصدًا لعشاقها خلال الشهر الفضيل. حضورها يومي تقريبًا، وغالبًا ما تُستهلك مباشرة بعد الإفطار، في لحظة يكون فيها الجسم في أدنى مستوياته من حيث سكر الدم.
من الناحية الفسيولوجية، يكون الجسم بعد ساعات الصيام الطويلة في حاجة إلى تعويض تدريجي للطاقة. الزلابية، المصنوعة من عجين مقلي ومغمور في القطر، توفر كمية مركزة من السكريات البسيطة سريعة الامتصاص. هذا يعني ارتفاعًا سريعًا في مستوى الغلوكوز في الدم، يعقبه في بعض الحالات انخفاض مفاجئ قد يسبب شعورًا بالخمول أو الجوع مجددًا.
المسألة لا تتعلق بتصنيفها “ضارة” أو “ممنوعة”، بل بفهم كثافتها الطاقية. قطعة واحدة متوسطة الحجم قد تحتوي على سعرات تعادل وجبة خفيفة كاملة. وعندما تُضاف إلى شوربة، طاجين، خبز، ومشروبات محلاة، يصبح مجموع السكريات والدهون في الوجبة مرتفعًا خلال فترة زمنية قصيرة.
كما أن طريقة التحضير تلعب دورًا مهمًا. القلي في زيت غير متجدد بانتظام قد يزيد من تشكل مركبات غير مرغوبة، في حين أن تشرب العجين للقطر يجعل نسبة السكر مرتفعة حتى وإن بدا حجم القطعة صغيرًا. هنا يصبح اختيار مصدر موثوق وجودة التحضير عاملًا لا يقل أهمية عن الكمية المستهلكة.
لدى الأشخاص المصابين بالسكري أو الذين يعانون من مقاومة الإنسولين، يكتسب الموضوع حساسية أكبر. التوصيات الغذائية الحديثة تميل إلى تجنب تناول الحلويات المركزة مباشرة بعد الإفطار، ويفضل تأجيلها إلى وقت لاحق وبكمية محدودة، بعد وجبة متوازنة تحتوي على ألياف وبروتينات تُبطئ امتصاص السكر.
لكن في المقابل، الحرمان التام ليس دائمًا الحل الأكثر واقعية. رمضان شهر اجتماعي وروحي، والزلابية جزء من طقوسه. الفرق يكمن في التحول من الاستهلاك التلقائي اليومي إلى الاستهلاك الواعي: قطعة صغيرة بدل ثلاث، مشاركة بدل انفراد، ومرافقة بكوب شاي دون إضافة سكر.
في سياق ترتفع فيه معدلات السمنة واضطرابات السكر في الجزائر، يصبح النقاش حول الزلابية أوسع من مجرد حلوى موسمية. إنه نقاش حول علاقتنا بالسكر، بالإفراط، وبفكرة “التعويض” بعد الصيام.
الزلابية ستبقى حاضرة في رمضان، مثلما بقيت لعقود. لكن ربما حان الوقت لأن نعيد تعريف حضورها: متعة رمزية محسوبة، لا عادة يومية بلا حدود. ففي النهاية، التوازن في رمضان لا يعني إلغاء الطقوس، بل إعادة ضبطها.
فاطمة الزهراء عاشور