دراسة عالمية: العنف ضد النساء والأطفال من أخطر المخاطر الصحية في العالم

لم يعد العنف ضد النساء والأطفال يُصنَّف ضمن القضايا الاجتماعية أو الحقوقية فحسب، بل بات يُنظر إليه اليوم كأحد أخطر عوامل الخطر الصحية عالميًا. هذا ما خلصت إليه دراسة علمية واسعة النطاق نُشرت في مجلة The Lancet، كشفت عن العبء الصحي الهائل الذي يفرضه العنف من الشريك الحميم ضد النساء، والعنف الجنسي ضد الأطفال، على صحة الأفراد والمجتمعات في مختلف أنحاء العالم.

الدراسة، التي أُنجزت في إطار مشروع Global Burden of Disease 2023، اعتمدت على تحليل بيانات شملت 204 دول ومناطق، وقدّمت للمرة الأولى تقييمًا شاملًا للأثر الصحي لهذين الشكلين من العنف، من حيث الوفيات، الإعاقات، وسنوات الحياة الصحية المفقودة. وتُظهر النتائج أن العنف لا يترك آثارًا آنية فحسب، بل يُعد عاملًا محددًا للصحة على المدى الطويل، يساهم في تفاقم الأمراض الجسدية والنفسية على حد سواء.

وبحسب المعطيات، تعرّض أكثر من مليار شخص حول العالم لعنف جنسي خلال مرحلة الطفولة، فيما أبلغت 608 ملايين امرأة عن تعرضهن لعنف جسدي أو جنسي من شريك حميم خلال عام واحد فقط. أرقام تعكس اتساع الظاهرة وتغلغلها العميق في مختلف المجتمعات، بغضّ النظر عن مستوى التنمية أو الخصوصيات الثقافية.

وتُبرز الدراسة أن العنف يُعد من بين أهم خمسة عوامل خطر صحية تؤثر على النساء والفتيات في الفئة العمرية ما بين 15 و49 سنة، متقدمًا في ترتيبه على عوامل صحية تقليدية مثل ارتفاع ضغط الدم أو اضطرابات سكر الدم. كما أظهرت النتائج أن العنف الجنسي في الطفولة يرتبط بطيف واسع من الاضطرابات الصحية التي تمتد آثارها إلى مراحل لاحقة من الحياة، من بينها الاكتئاب، القلق المزمن، اضطرابات نفسية معقدة، وأمراض جسدية مزمنة.

وعلى مستوى العبء الصحي العالمي، قدّرت الدراسة أن العنف الجنسي ضد الأطفال أسهم في فقدان أكثر من 32 مليون سنة من سنوات الحياة الصحية خلال عام 2023، في حين تسبب العنف من الشريك الحميم في فقدان أكثر من 18 مليون سنة من الصحة، ما يجعل هذين العاملين من بين الأكثر تكلفة على أنظمة الصحة العامة عالميًا. كما رُبط العنف بآلاف الوفيات سنويًا، سواء نتيجة القتل المباشر، أو الانتحار، أو مضاعفات صحية خطيرة مثل الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية.

وتكشف النتائج كذلك عن تفاوتات إقليمية واضحة، حيث سُجلت أعلى معدلات انتشار العنف في مناطق جنوب الصحراء الإفريقية، وجنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا، وهو ما يطرح تحديات إضافية أمام الدول ذات الأنظمة الصحية الهشة، ويؤكد الحاجة إلى تدخلات موجهة تأخذ بعين الاعتبار السياقات الاجتماعية والاقتصادية المحلية.

ويؤكد القائمون على الدراسة أن هذه المعطيات تستوجب إعادة تصنيف العنف ضد النساء والأطفال كقضية صحة عامة بامتياز، تتطلب استجابة شاملة تتجاوز المقاربات القانونية والأمنية، لتشمل الوقاية، والكشف المبكر، والرعاية الصحية والنفسية طويلة الأمد للناجين، إلى جانب سياسات اجتماعية وتعليمية داعمة.

وتخلص الدراسة إلى أن تجاهل العنف أو التقليل من آثاره لا يُعد فقط إخفاقًا أخلاقيًا، بل يُشكل خطرًا مباشرًا على الصحة العامة والتنمية المستدامة، مؤكدة أن إدماج مكافحة العنف ضمن السياسات الصحية الوطنية والدولية بات ضرورة ملحّة، وليس خيارًا مؤجلًا.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد