الأسبارتام تحت المجهر: دهون أقل… وقلب وذاكرة يدفعان الثمن

يعيد مُحلّي الأسبارتام، أحد أكثر البدائل الصناعية للسكر انتشارًا في العالم، إشعال الجدل العلمي من جديد. دراسة حديثة منشورة في مجلة Biomedicine & Pharmacotherapy تكشف صورة معقّدة لتأثير هذا المُحلّي: فبينما يُسهم في تقليص تراكم الدهون في الجسم، فإنه قد يُحدث في المقابل تغيّرات مقلقة على مستوى القلب والقدرات المعرفية، على الأقل وفق ما أظهرته التجارب على الحيوانات.

الدراسة، التي أُجريت على فئران مخبرية، اعتمدت تعريض الحيوانات لجرعات منخفضة من الأسبارتام على مدى طويل، تعادل نحو سدس الحدّ اليومي المسموح به للإنسان. النتائج بدت للوهلة الأولى مشجّعة، إذ سُجّل انخفاض ملحوظ في مخزون الدهون لدى الفئران، وهو ما قد يفسّر الإقبال الواسع على المنتجات “الدايت” باعتبارها وسيلة للتحكم في الوزن دون سعرات حرارية مرتفعة.

غير أن الوجه الآخر للنتائج كان أقل طمأنة. فقد لاحظ الباحثون ظهور تضخّم خفيف في عضلة القلب لدى الفئران، وهو تغيّر بنيوي قد يؤثر على الوظيفة القلبية على المدى البعيد. ورغم أن التضخّم وُصف بالمعتدل، إلا أن حدوثه عند جرعات منخفضة وضمن فترة استهلاك طويلة يطرح تساؤلات جدّية حول سلامة التعاطي المزمن مع الأسبارتام.

الأمر لم يتوقف عند القلب. فقد كشفت الاختبارات السلوكية والمعرفية عن تراجع في الأداء الإدراكي لدى الفئران، خصوصًا في اختبارات الذاكرة والتعلّم المكاني. هذا التراجع يشير إلى احتمال تأثير الأسبارتام على وظائف الدماغ، سواء عبر اضطراب النواقل العصبية أو زيادة الإجهاد التأكسدي في الخلايا العصبية، وهي فرضيات لطالما طُرحت في أبحاث سابقة حول المحلّيات الاصطناعية.

وتأتي هذه النتائج في سياق نقاش علمي وصحي متصاعد حول الأسبارتام، خاصة بعد أن صنّفته الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية ضمن فئة “مادة يُحتمل أن تكون مسرطنة للبشر”، استنادًا إلى أدلة محدودة لكنها مقلقة. ورغم أن الهيئات الصحية ما زالت تعتبر استهلاكه ضمن الحدود المسموح بها “آمنًا نسبيًا”، فإن تراكم المؤشرات العلمية يدفع نحو مراجعة أكثر حذرًا لهذه الخلاصة.

صحيح أن نتائج الدراسة مستمدة من نموذج حيواني ولا يمكن إسقاطها مباشرة على الإنسان، إلا أنها تسلّط الضوء على معادلة غير مريحة: تقليل الدهون قد لا يكون بلا ثمن. فحين يتحوّل البديل “الخفيف” إلى عبء محتمل على القلب والدماغ، يصبح السؤال المطروح ليس فقط كم نستهلك من الأسبارتام، بل لماذا نعتمد عليه أصلًا بدل إعادة التفكير في علاقتنا بالسكر والتغذية الصناعية عمومًا.

في النهاية، لا تقدّم الدراسة حكمًا قاطعًا بقدر ما تطلق إشارة إنذار علمية: ما يبدو حلًا سهلًا لمشكلة الوزن قد يحمل آثارًا جانبية صامتة، لا تظهر إلا مع الزمن. وبين الإغراء الغذائي والسلامة الصحية، يبقى الاعتدال والوعي العلمي خط الدفاع الأول.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد