وهران تُجري الجراحة على الهواء: حين تُعيد الميكروسكوب الحياة لوجهٍ وذراع

لم تكن قاعات المؤسسة الاستشفائية الجامعية أول نوفمبر 1954 بوهران، هذا اليوم، مجرد فضاءات للتكوين النظري، بل تحولت إلى مسرح حيّ تُمارَس فيه أدقّ تقنيات الجراحة المجهرية أمام أنظار الأطباء والمتخصصين القادمين من مختلف ولايات الوطن. حدثٌ طبي استثنائي افتُتحت فعالياته بإشراف الأمين العام للمؤسسة، السيد بورصالي نذير، معلنًا انطلاق “الماستر كلاس في الجراحة المجهرية”، في رسالة واضحة مفادها أن الطب الجزائري قادر على ملامسة أحدث ما بلغته التكنولوجيا الجراحية.

الحدث، الذي نظمته مصلحة جراحة الفك والوجه والترميم تحت إشراف البروفيسور حيرش كريم، وبالتنسيق مع مصلحة جراحة العظام بإشراف البروفيسور ميداس أنوار جواد، وبالتعاون مع الجمعية الجزائرية لجراحة الوجه والفكين والترميم، لم يكتفِ بالمحاضرات، بل راهن على التكوين التطبيقي المباشر، حيث نُقلت عمليات جراحية حيّة (Live Surgery) وورشات عمل دقيقة، شارك فيها خبراء وجراحون مختصون.

في قلب هذا الماستر كلاس، كانت الجراحة تتحدث بلغة الأمل. العملية الأولى تعلّقت بمريضة فقدت أنفها إثر استئصال ورم سرطاني، لتُجرى لها عملية ترميم معقّدة باستعمال تقنيات الجراحة المجهرية، من خلال نقل شريحة نسيجية حيّة من اليد وزرعها على مستوى الأنف، في تدخل بالغ الدقة يعيد للمريضة جزءًا من ملامحها ووظيفتها الإنسانية. أما العملية الثانية، فقد أنجزها فريق جراحة العظام، وتمثلت في ترميم الضفيرة العضدية، أحد أعقد تدخلات الجراحة العصبية، باستخدام تقنيات مجهرية متقدمة تستهدف استعادة الحركة والوظيفة.

هذا الحدث لم يكن مجرد تظاهرة علمية، بل تجسيدًا لالتزام المستشفى الجامعي بوهران بالتكوين المستمر، وبالعمل التكاملي بين المصالح الطبية، وبمواكبة أحدث ما توصل إليه العلم في الجراحة المجهرية والترميمية. والأهم من ذلك، أنه يضع المريض في صلب هذا التطور، حيث تتحول المعرفة الدقيقة والتقنيات العالية إلى علاج أفضل، ونتائج أكثر إنسانية، وجودة تكفل ترتقي إلى المعايير الحديثة.

في وهران، لم يكن “الماستر كلاس” درسًا للأطباء فقط، بل شهادة حيّة على أن الجراحة الجزائرية، حين تُمنح الثقة والتكوين، قادرة على أن تُجري أصعب العمليات… على الهواء مباشرة.
مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد