وهران تسجّل سابقة وطنية في جراحة العظام: استبدال كامل لعظم الفخذ يفتح صفحة جديدة في الجراحة المعقّدة بالجزائر

في لحظة تُشبه إعلان دخول الطب الجزائري مرحلة جديدة من الجرأة والدقة، نجح فريق جراحة العظام والمفاصل بالمؤسسة الاستشفائية الجامعية أول نوفمبر 1954 بوهران في إجراء أول عملية وطنية لاستبدال كامل لعظم الفخذ مع تركيب مفصل ركبة اصطناعي مخصّص لحالات الأورام. إنجازٌ طبي غير مسبوق، يرقى إلى مستوى ما يُصنّف دوليًا ضمن الجراحات “الفائقة التعقيد”، ويضع الجزائر أمام مؤشر واضح: القدرة على التكفّل محليًا بحالات كان يُعتقد أنّ مصيرها التحويل إلى الخارج.

العملية، التي جرت تحت إشراف البروفيسور ميداس أنوار جواد وبمشاركة البروفيسور محمد مجاهد والبروفيسور بن فضة مجدوب حاج علي، استفادت منها امرأة خمسينية عانت لعقد كامل من تداعيات ورم عظمي تطلّب استبدالًا جزئيًا سابقًا للفخذ. ومع تدهور استقرار المفصل القديم وتحركه عن مكانه، لم يكن أمام الفريق الطبي سوى خيار أكثر جذرية وجرأة: استبدال الفخذ بكامله، مع تقوية عظم الساق لضمان ثبات ميكانيكي طويل الأمد، عبر تقنية مخصّصة تُستخدم عادة في مراكز جراحة الأورام العالمية.

ولم تكن العملية مجرد تدخل جراحي ناجح؛ بل كانت اختبارًا مركّبًا للخبرة والجرأة والسيطرة على التفاصيل الدقيقة. فبحسب البروفيسور ميداس، امتدت العملية لساعات طويلة تخللتها مراحل شديدة الحساسية، خاصة وأن البروتز المزروع مصمم خصيصًا ليتلاءم مع البنية التشريحية للمريضة، وهو ما يجعل مثل هذه الجراحات نادرة عالميًا ومحاطة باشتراطات تقنية عالية.

اليوم، والمريضة تبدأ برنامج إعادة التأهيل الوظيفي وسط مؤشرات إيجابية، تتجاوز أهمية الحدث حدود نجاح عملية واحدة. فالمؤسسة الاستشفائية أول نوفمبر بوهران ترسّخ بهذا الإنجاز موقعها كأحد الأقطاب الوطنية المرجعية في جراحة العظام والكسور، وتؤكد أن التكفّل بالحالات المعقّدة لم يعد مرهونًا بوجهات علاجية خارج حدود الوطن.

في بلد ظلّ يعاني لسنوات من هاجس التحويل الطبي وارتباط مرضاه بالبُنى العلاجية الأجنبية، يكتسب هذا النجاح دلالة أكبر: قدرة الجزائر على بناء سيادتها الصحية خطوة بعد أخرى، عبر استثمار المعرفة والخبرة وتطوير جراحات عالية التقنية تستجيب لأشدّ الحالات تعقيدًا.

إنه إنجاز طبي، نعم، لكنه قبل كل شيء رسالة واضحة: الطب الجزائري قادر، حين تتوفر له الإرادة والظروف، على كسر السقف وفتح آفاق لم يكن يُعتقد أنها ممكنة.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد