أكاديمية “بي دياب” في مستغانم: خطوة جديدة لترقية التكفل بالسكري عند الأطفال في الجزائر

مع الارتفاع المستمر لحالات السكري من النوع الأول لدى الأطفال في الجزائر، لم يعد النقاش مقتصراً على نقص الوسائل الطبية أو ضغط المصالح الاستشفائية؛ التحدي الحقيقي بات يرتبط بغياب تكوين معمّق ومتجدد يمكّن أطباء الأطفال من مواجهة مرض تتسارع معارفه بقدر ما تتعقّد مخاطره. من هنا برزت PeDiab Academy، ليس كبرنامج إضافي في أجندة التكوين، بل كاستجابة فعلية لخلل هيكلي طالما تجاهلته المنظومة الصحية: الاستثمار في المعرفة قبل المعدات.

اختارت هذه المبادرة أن تبدأ من مستغانم، يومي 28 و29 نوفمبر، في رسالة واضحة مفادها أن التغيير لا يحتاج بالضرورة إلى العاصمة ولا إلى مراكز القرار، بل إلى إرادة مهنية جادة تُعيد الاعتبار لأساس كل منظومة صحية: الطبيب الذي يواجه الميدان. أكثر من خمسين طبيب أطفال من ولايات الغرب شاركوا في PeDiab Masterclass الأولى، ضمن ورشات لم تكتفِ باستعادة المعارف بل دفعت نحو إعادة تشكيلها بما يتلاءم مع الواقع الجزائري.

في بلد ما يزال التشخيص المتأخر أحد أكبر أسباب المضاعفات الخطيرة لدى الأطفال، ركزت الجلسات على نقطة مفصلية: كيف نميز بدقة بين الأنواع المختلفة للسكري عند الطفل؟ لأن الخطأ في التشخيص هنا لا يعني فقط تأخير العلاج، بل وضع الطفل على مسار طبي قد يكون معاكِساً تماماً لمصلحته. كما تطرقت الورشات إلى أحدث آليات ضبط الأنسولين وفق المعايير العالمية، والكيفية التي يمكن بها تكييف هذه المعايير مع إكراهات الممارسة اليومية في الجزائر، حيث لا تتوفر دائماً نفس التقنيات ولا نفس مستويات التكوين.

لكن القيمة المضافة لهذه المبادرة لا تكمن في مضمونها العلمي وحده، بل في جرأتها على فتح نقاش غائب: هل يمكن تحسين التكفل بالسكري دون إصلاح حقيقي في تكوين الأطباء؟ PeDiab Academy تبدو وكأنها تجيب بالفعل عن هذا السؤال، عبر مسار يمتد لأشهر ويغطي مختلف مناطق البلاد، مع إدماج أحدث التطورات العلاجية والتكنولوجية في السكري الطفولي، من أجهزة المراقبة المستمرة إلى الذكاء الاصطناعي في ضبط الجرعات.

ما تحمله هذه المبادرة أيضاً هو بعد أخلاقي وصحي نادر: إعادة توزيع المعرفة على المستوى الوطني، حتى لا يبقى طفل مستغانم أو تلمسان أو البيض أقل حظاً من طفل الجزائر العاصمة. في بلد يعاني فوارق عميقة في الولوج إلى الرعاية، يشكل هذا الخيار رسالة واضحة: تكوين الأطباء ليس رفاهية… بل سياسة صحية في حد ذاتها.

بهذا المعنى، لا تمثل PeDiab Academy دورة تكوينية جديدة، بل محاولة لتغيير القاعدة التي بُني عليها التكفل بالسكري عند الأطفال. خطوة أولى في طريق طويل، لكنها تحمل ما يكفي من جرأة لتعيد طرح السؤال الأهم:
أي منظومة نريد لأطفالنا… تلك التي تطارد المرض، أم تلك التي تسبقه؟

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد