الهشاشة العظمية في الجزائر: المرض الصامت الذي يهدد عظام المجتمع

في كل عام، يحيي العالم يوم 20 أكتوبر «اليوم العالمي لهشاشة العظام» للتذكير بخطورة هذا المرض الصامت الذي يصيب ملايين الأشخاص حول العالم. وفي الجزائر، تتزايد معدلات الإصابة بشكل مقلق، خصوصاً بين النساء بعد سن اليأس وكبار السن، مما يجعل من الوقاية والتشخيص المبكر أولوية صحية وطنية.

هشاشة العظام ليست تراجعاً طبيعياً مع التقدم في السن، بل مرض مزمن يؤدي إلى انخفاض كثافة العظام وتدهور بنيتها، ما يجعلها أكثر هشاشة وعرضة للكسور حتى بعد صدمات طفيفة. وغالباً ما تمرّ سنوات طويلة قبل اكتشاف المرض، إذ لا تظهر أعراض واضحة إلا بعد حدوث الكسر الأول، وغالباً في الورك أو المعصم أو الفقرات.

في الجزائر، تُظهر دراسة ميدانية أُنجزت سنة 2011 بكلية الطب بجامعة سعد دحلب – البليدة، بعنوان «انتشار هشاشة العظام بعد سن اليأس في بلدية الدويرة (الجزائر) – دراسة ديوز»، أن ما يقارب 34% من النساء بعد سن الخمسين يعانين من هشاشة العظام أو من انخفاض في الكثافة العظمية. وهي نسبة تضع الجزائر في مستويات قريبة من تلك المسجلة في بلدان البحر الأبيض المتوسط وتشير الدراسة إلى أنّ انخفاض الوزن ونقص فيتامين D وطول فترة انقطاع الطمث من أبرز عوامل الخطر المرتبطة بارتفاع هذه النسبة.

تُظهر هذه النتائج أنّ هشاشة العظام لم تعد مرضاً هامشياً في الجزائر، بل واقعاً صحياً متنامياً يهدد فئة واسعة من المجتمع، في ظلّ غياب برامج وطنية للكشف المبكر وضعف التغطية الطبية المتخصصة في أمراض الشيخوخة والعظام.

وتتعدد أسباب تفاقم المرض في الجزائر، من بينها قلة النشاط البدني، ونقص فيتامين D رغم وفرة أشعة الشمس، وضعف الثقافة الغذائية التي تؤدي إلى نقص الكالسيوم والبروتينات الضرورية لتجديد العظام، فضلاً عن التدخين والإفراط في استهلاك المنبهات والمشروبات الغازية.

تكمن خطورة هشاشة العظام في صمتها الطويل. فحين يقع الكسر الأول، تكون العظام قد فقدت جزءاً كبيراً من قوتها، مما يزيد خطر الكسور اللاحقة ويؤدي إلى فقدان الحركة والاستقلالية. وتتحول هذه الإصابات إلى عبء اجتماعي واقتصادي ثقيل، في ظلّ محدودية خدمات إعادة التأهيل وندرة التخصصات في طب الشيخوخة داخل المستشفيات.

ورغم هذا الواقع، تبقى الوقاية السلاح الأنجع. فاعتماد نمط حياة صحي يقوم على تغذية متوازنة، وتعرّض منتظم لأشعة الشمس، وممارسة الرياضة بانتظام، كفيل بتقليل خطر الإصابة. كما يُعدّ الفحص المبكر لقياس كثافة العظام خطوة أساسية يجب تعميمها، خصوصاً لدى النساء بعد سن الخمسين.

إنّ هشاشة العظام ليست قدراً محتوماً، بل مرض يمكن الوقاية منه والسيطرة عليه إذا وُضعت سياسة وطنية شاملة تقوم على التشخيص المبكر، التثقيف الصحي، ودعم المرضى. فصحة العظام هي في نهاية المطاف مرآة لصحة المجتمع وضمان لشيخوخة كريمة تحفظ للإنسان حركته وكرامته.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد