الجوع يتراجع على الورق… ويتوحّش في أفريقيا وغرب آسيا

بين سطور الأمل التي سطّرها أحدث تقارير الأمم المتحدة حول الأمن الغذائي، تظهر فجوات مؤلمة تشقّ خريطة العالم من جنوب الصحراء إلى بلاد الشام. فبينما سجّل الجوع العالمي تراجعًا طفيفًا عام 2024، تسارعت حدّته في أفريقيا وغرب آسيا، حيث تحوّل من ظاهرة قابلة للاحتواء إلى خطر هيكلي يهدّد استقرار المجتمعات ومصير الأجيال.

وفقًا لتقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2025»، انخفض عدد الجائعين عالميًا إلى نحو 673 مليون شخص، أي ما يمثل 8.2٪ من سكان الأرض، بعدما كان 8.5٪ في العام الذي سبقه. هذا التراجع الطفيف، وإن بدا إيجابيًا على الصعيد الكلي، يخفي واقعًا مريرًا تعيشه مناطق بعينها، حيث تتكدّس فيها المؤشرات الحمراء بلا بصيص انفراج.

في القارة الأفريقية، بات أكثر من 307 ملايين إنسان يعانون من نقص التغذية المزمن، أي أكثر من خُمس السكان. أما في غرب آسيا، فقد بلغت نسبة الجوع 12.7٪، وهو رقم يتخطى بكثير المعدلات المقبولة في السياق العالمي. لم تعد المسألة مجرّد أرقام، بل مشهد يومي من العوز، والتقشف القسري، وتآكل القدرة على تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

أسباب هذا التدهور لا تخرج عن المألوف: نزاعات أهلية وحروب مفتوحة تعرقل الزراعة وتفتك بالبنى التحتية، تغيرات مناخية قاسية تُغرق الحقول بالجفاف أو الفيضانات، تضخم متسارع يُحيل سلة الغذاء إلى عبء مالي، وغياب للاستثمارات الرشيدة في الزراعة والتنمية الريفية. لكن ما يضاعف فداحة الأزمة هو هشاشة الاستجابة الدولية، وتآكل الإرادة السياسية في التعامل الجاد مع المأساة التي تتنامى في الهامش.

في الوقت نفسه، أظهرت بعض المناطق مثل جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية بوادر تعافٍ نسبي، بفضل برامج الدعم الاجتماعي والسياسات الغذائية الموجهة. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه التجارب المحدودة نجاحًا عالميًا ما دامت قارات بأكملها تغرق في الجوع.

وعلى الرغم من الانخفاض الطفيف في عدد من لا يجدون ما يسدّ رمقهم، فإن أكثر من 2.6 مليار شخص حول العالم ما زالوا غير قادرين على تحمّل كلفة غذاء صحي ومتوازن. أما السمنة، الوجه الآخر للاختلال الغذائي، فقد واصلت انتشارها الصامت، لتطال 16٪ من البالغين، في مفارقة تعكس العبء المزدوج لسوء التغذية: أجساد جائعة وأخرى منهكة من التخمة، في مشهد يعكس انعدام العدالة الغذائية.

المنظمات الأممية دقّت ناقوس الخطر: القضاء على الجوع بحلول 2030 لم يعد هدفًا قريب المنال، بل حلم يتلاشى أمام صعود الأزمات وتراجع التمويل وتغوّل اللامبالاة. ففي غياب رؤية شاملة تعيد تعريف الأمن الغذائي كحق لا كمنّة، وتُخرج الغذاء من منطق السوق إلى منطق السيادة، سيظل الجوع يلتهم الهشّ أولاً، ثم يطرق أبواب الجميع لاحقًا.

الجوع اليوم ليس كارثة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لاختلال السياسات، وانسحاب التضامن، وارتباك العالم أمام تحديات يعرف تفاصيلها، لكنه يتقاعس عن مواجهتها.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد