حين تصبح اليدان مرآة لصحة الجسد: ماذا تخبرنا برودتهما المستمرة؟
قد تبدو برودة اليدين ظاهرة بسيطة ومعتادة، خاصة في فصل الشتاء أو داخل الأماكن المكيّفة. إلا أن تكرار هذا الإحساس أو استمراره خارج الظروف المناخية المعتادة يدفع عددًا من الأطباء وخبراء الصحة إلى اعتباره أكثر من مجرّد انزعاج مؤقت، بل عرضًا فيزيولوجيًا قد يشير إلى اختلالات داخلية في الجسم، تستدعي الانتباه.
وفقًا لأطباء مختصين في أمراض الدورة الدموية، فإن السبب الأكثر شيوعًا لبرودة اليدين يعود إلى انقباض الأوعية الدموية الصغيرة في الأطراف، وهي آلية دفاعية طبيعية يقوم بها الجسم للحفاظ على حرارة أعضائه الحيوية عند التعرّض للبرد. في هذه الحالة، يُعاد توجيه الدم نحو القلب والرئتين والدماغ، بينما يُقلّل تدفّقه إلى اليدين والقدمين، مما يسبب انخفاض حرارتهما بشكل ملحوظ.
لكن المتخصصين في الطب النفسي يؤكدون أن العامل النفسي يلعب بدوره دورًا رئيسيًا في تفسير هذه الظاهرة. فالتوتر المزمن والقلق المفرط يمكن أن يؤديا إلى تحفيز الجهاز العصبي اللاإرادي، مما يسبب تقلصًا في الشعيرات الدموية الدقيقة، خصوصًا في الأطراف. وهو ما يجعل بعض الأشخاص يعانون من برودة اليدين حتى في فصل الصيف، أو في أجواء معتدلة.
من منظور طبي أشمل، تعتبر بعض المؤسسات الصحية الدولية، مثل المعهد الوطني الأميركي للصحة (NIH)، أن برودة اليدين قد تكون مؤشرًا على أمراض جهازية مثل “متلازمة رينود”، وهي حالة مرضية تؤدي إلى انقباض مفرط ومفاجئ في الأوعية الدموية عند التعرض للبرد أو الضغوط النفسية. وغالبًا ما يصاحب هذه الحالة تغيّر في لون الأصابع إلى الأبيض أو الأزرق، وأحيانًا تنميل أو ألم.
كما يُنبه مختصو الغدد الصماء إلى أن قصور الغدة الدرقية يُعد من الأسباب الشائعة لبرودة اليدين، بسبب تباطؤ عملية الأيض وانخفاض حرارة الجسم الأساسية. ويضاف إلى ذلك فقر الدم، الذي يؤدي إلى ضعف قدرة الدم على نقل الأوكسجين والحرارة إلى مختلف أنحاء الجسم، مما يُفسّر الشعور المستمر بالبرودة لدى بعض المرضى، حتى دون وجود محفز خارجي واضح.
وفي حالات أقل شيوعًا، قد ترتبط برودة اليدين بضعف في وظيفة القلب، أو باضطرابات مزمنة في الأوعية الدموية، أو بتناول أدوية معينة تُسبب تضييق الشعيرات الدموية الطرفية.
رغم ذلك، يشير عدد من الأطباء إلى أن أغلب حالات برودة اليدين تبقى غير مرضية، ولا تستدعي القلق طالما لم تكن مصحوبة بأعراض إضافية مثل تغيّر لون الجلد، أو التنميل، أو فقدان الإحساس. وغالبًا ما يكفي تحسين الدورة الدموية من خلال النشاط البدني المنتظم، وتفادي التدخين، وتقليل استهلاك الكافيين، لتحسين الوضع.
ويجمع المتخصصون على أن التقييم الطبي يُصبح ضروريًا عندما تصبح برودة اليدين مزمنة، مفاجئة، أو مصحوبة بأعراض أخرى. فهي ليست دائمًا عرضًا بسيطًا أو عابرًا، بل قد تكون مؤشرًا على خلل أعمق، جسديًا أو نفسيًا، يتطلب تشخيصًا مبكرًا وتدخلاً مناسبًا.
في النهاية، يوصي الأطباء بالإصغاء إلى ما يحاول الجسم قوله عبر إشاراته الصامتة. وبرودة اليدين واحدة من تلك الرسائل التي لا ينبغي تجاهلها، خاصة حين تتكرّر أو تخرج عن إطار المألوف.
فاطمة الزهراء عاشور