جنيف تُجدّد وعد العالم بالصحة: اتفاق تاريخي وتمويل معزّز في ختام جمعية الصحة العالمية

اختتمت الجمعية العامة الثامنة والسبعون لمنظمة الصحة العالمية أعمالها في جنيف، حاملة معها قرارات ووعوداً وصفت بالتاريخية، في لحظة مفصلية تشهد فيها البشرية تحوّلات صحية كبرى وتحديات متزايدة.

خلال تسعة أيام من النقاشات المكثفة، توصلت الدول الأعضاء إلى توافق طال انتظاره بشأن مشروع اتفاق دولي للوقاية من الجوائح والاستجابة لها، في ما يشبه الولادة الأولى لـ«معاهدة الجائحة». الاتفاق لا يزال في صيغته المبدئية، لكنه يكرّس مبدأ التضامن بين الدول، ويدفع نحو تعاون أشمل لمواجهة الأزمات الصحية العابرة للحدود، بعد دروس مؤلمة تركتها جائحة كوفيد-19.

على خط موازٍ، وافقت الدول الأعضاء على رفع المساهمات الإلزامية للمنظمة بنسبة 20%، ما يتيح ضخّ تمويل إضافي مرن بقيمة 320 مليون دولار، ويمنح المنظمة زخماً جديداً في تنفيذ استراتيجيتها للفترة 2025–2028. كما أُطلقت جولة استثمارية عالمية تهدف إلى جمع تمويلات نوعية، في مسعى لتقليص التبعية للتمويل المشروط، وتحرير القرار الصحي الأممي من الضغوط السياسية والاقتصادية.

العدالة الصحية لم تكن شعاراً نظرياً في جنيف، بل محوراً جوهرياً للنقاش. فقد شددت الجمعية على ضرورة تعزيز الرعاية الصحية للنساء والأطفال والمراهقين، خصوصاً في البيئات الهشة والمناطق المتأثرة بالنزاعات، مع تأكيد صارم على إدماج الحقوق الجنسية والإنجابية في السياسات الصحية الوطنية.

في لحظة إنسانية لافتة، أقرّت الجمعية قراراً جديداً بدمج خدمات الصحة النفسية في كافة مراحل الاستجابة للطوارئ، في ما يمثل اعترافاً متأخراً لكنه ضروري بأن الأزمات لا تترك آثارها على الجسد فقط، بل تفتك أيضاً بالعقول والنفوس، خصوصاً في مناطق الحروب والكوارث الطبيعية.

الذكرى الخمسون لبرنامج التحصين الموسّع كانت حاضرة بقوة، وقد تحوّلت إلى منصة دعوة عالمية لتجديد الالتزام السياسي ببرامج التلقيح، والوصول إلى كل طفل لم يتلقَّ جرعة واحدة، في عالم لم يعد فيه المرض حكراً على الفقراء، ولا الحماية حقاً مضموناً للأغنياء.

بين النصوص المتوافق عليها والنقاشات غير المنتهية، يتبيّن أن الجمعية الثامنة والسبعين لم تكن مجرّد دورة عادية، بل لحظة وعي دولي نادرة. لحظة تذكّر فيها العالم أن الصحة ليست امتيازاً، بل مسؤولية مشتركة، وأن التضامن الصحي لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية في قرن الأزمات المتشابكة.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد