عمري 50 سنة ولم أتلق أي لقاح منذ المراهقة.. ما اللقاحات التي فاتتني؟

قد يبلغ الشخص الخمسين من عمره دون أن يكون قد تلقى أي لقاح منذ سنوات الدراسة، معتقداً أن التلقيح يخص الأطفال فقط. لكن ماذا لو اكتشف أن بعض اللقاحات تستدعي جرعات تذكيرية خلال مرحلة البلوغ، وأن لقاحات أخرى لم تكن أصلاً ضمن البرنامج الوطني عندما كان صغيراً؟ فهل يحتاج إلى استدراك ما فاته، أم أن الوقت أصبح متأخراً؟

في الجزائر، يبرز لقاح الكزاز (Tétanos) والدفتيريا أو الخناق (Diphtérie) في مقدمة اللقاحات التي ينبغي مراجعتها. فالرزنامة الوطنية تتضمن جرعات تذكيرية كل عشر سنوات ابتداءً من سن الثامنة عشرة. وبالتالي، فإن شخصاً يبلغ الخمسين ولم يتلق أي لقاح منذ السادسة عشرة قد يكون قد فوّت عدة جرعات تذكيرية.

وتكمن أهمية هذا التلقيح في الوقاية من مرضين قد يؤديان إلى مضاعفات خطيرة. فالكزاز عدوى بكتيرية يمكن أن تحدث عند دخول الجراثيم إلى الجسم عبر الجروح، وتسبب تقلصات عضلية شديدة قد تهدد الحياة، بينما تصيب الدفتيريا الجهاز التنفسي غالباً، وقد تؤثر سموم البكتيريا المسببة لها في القلب والأعصاب.

لكن التأخر في التلقيح لا يعني بالضرورة إعادة جميع الجرعات من البداية، إذ يعتمد الاستدراك على عدد الجرعات السابقة التي تلقاها الشخص ومدى توفر معلومات موثوقة عنها.

أما التهاب الكبد الفيروسي «ب» (Hépatite B)، فيطرح وضعاً مختلفاً. فقد أُدرج لقاحه ضمن البرنامج الوطني سنة 2000، ما يعني أن كثيراً من الجزائريين الذين يبلغون اليوم خمسين عاماً لم يحصلوا عليه بصورة تلقائية خلال طفولتهم. ويمكن لهذا الفيروس أن يسبب التهاباً مزمناً في الكبد، قد يتطور لدى بعض المصابين إلى تشمع الكبد (Cirrhose) أو سرطان الكبد (Cancer du foie).

غير أن عدم تلقي هذا اللقاح في الطفولة لا يعني أن كل شخص بالغ مطالب بالحصول عليه تلقائياً. فالحاجة إلى التلقيح تُقيّم بحسب التاريخ الصحي وعوامل التعرض للعدوى، وقد تُطلب تحاليل للكشف عن إصابة سابقة أو تحديد الوضع المناعي في بعض الحالات.

وتطرح الحصبة (Rougeole) والنكاف أو أبو كعب (Oreillons) والحصبة الألمانية (Rubéole) سؤالاً مشابهاً. فقد أُدخل التلقيح ضد الحصبة في الجزائر سنة 1985، بينما أُدرجت الحصبة الألمانية والنكاف في تحديث لاحق للبرنامج الوطني. وبالتالي، فإن الكثير من أبناء جيل الخمسينيين لم يتلقوا بالضرورة اللقاح الثلاثي المعروف باسم (ROR).

لكن غياب هذا اللقاح من سجل الشخص لا يعني تلقائياً أنه غير محمي، إذ قد تكون لديه مناعة نتيجة إصابة سابقة أو تلقي لقاحات منفصلة. وتُحدَّد الحاجة إلى الاستدراك وفق التاريخ التلقيحي والمعطيات الطبية، لا بمجرد المقارنة مع البرنامج المطبق اليوم على الأطفال.

ومع التقدم في العمر، تظهر لقاحات أخرى تستحق الاهتمام. فالإنفلونزا الموسمية (Grippe saisonnière) قد تسبب مضاعفات خطيرة لدى كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، ولذلك يُوصى بالتلقيح السنوي للفئات الأكثر عرضة للخطر.

كما توجد لقاحات ضد المكورات الرئوية (Pneumocoque)، التي قد تسبب الالتهاب الرئوي (Pneumonie) والتهاب السحايا (Méningite)، وأخرى ضد الحزام الناري (Zona)، وهو مرض ينتج عن إعادة تنشيط فيروس جدري الماء (Varicelle). وتوصي بعض البلدان بهذه اللقاحات ابتداءً من سن الخمسين، لكن لا يمكن اعتبارها تلقائياً جزءاً من التلقيح الروتيني لجميع البالغين في الجزائر، إذ تختلف التوصيات بحسب العمر والحالة الصحية والبرنامج المعتمد.

ويبقى السؤال الأكثر شيوعاً: ماذا يفعل شخص فقد دفتر تلقيحه ولا يتذكر الجرعات التي حصل عليها؟ وفقاً لتوصيات منظمة الصحة العالمية، يمكن استدراك الجرعات المتأخرة، ولا تستوجب السلاسل التلقيحية التي توقفت إعادة جرعاتها السابقة من البداية في معظم الحالات، إذا كان تلقيها مثبتاً. أما عندما يكون التاريخ التلقيحي مجهولاً، فتُحدَّد الإجراءات المناسبة وفق نوع اللقاح والعمر والحالة الصحية، وقد تستدعي بعض الحالات إجراء تحاليل مناعية.

وهكذا، فإن بلوغ الخمسين دون تلقيح منذ المراهقة لا يعني بالضرورة غياب الحماية من جميع الأمراض، لكنه يستحق مراجعة الوضع التلقيحي، خصوصاً فيما يتعلق بالكزاز والدفتيريا، ثم التحقق من الحاجة إلى لقاحات أخرى لم تكن مدرجة خلال الطفولة أو أصبحت موصى بها في ظروف صحية معينة.

فالتلقيح لا ينتهي بانتهاء الدراسة، ولا يصبح عديم الفائدة بعد الخمسين. والأهم ليس إعادة جميع اللقاحات بصورة عشوائية، وإنما تحديد ما يحتاج إليه الشخص فعلياً، وفق تاريخه الصحي والتوصيات المعمول بها.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد