كيف يبدأ سرطان القولون؟ دراسة أمريكية تعيد رسم خريطة المرض من جذوره الخفية

لطالما ارتبط سرطان القولون والمستقيم في الوعي الطبي بفكرة واحدة: نموٌّ مفرط وخارج عن السيطرة للخلايا. غير أنّ دراسة علمية جديدة صادرة عن فريق من الباحثين في شبكة ChristianaCare وجامعة ديلاوير تقلب هذا التصوّر رأسًا على عقب، وتقترح تفسيرًا أكثر عمقًا ودقّة لبدايات هذا المرض الصامت: السرطان لا يبدأ بالاندفاع، بل بالتباطؤ.

ففي الحالة الطبيعية، يعيش جدار القولون على إيقاع بيولوجي صارم. خلايا جديدة تولد باستمرار في أعماق تجاويف دقيقة تُعرف بـ«الجيوب القاعدية»، ثم تهاجر تدريجيًا نحو السطح، تنضج، تؤدي وظيفتها، وتُستبدل بأخرى في دورة متواصلة تحافظ على سلامة النسيج. هذا النظام المحكم هو أحد أسرار صحة الأمعاء.

لكن الدراسة تكشف أن طفرة شائعة في جين يُعرف باسم APC – موجودة في نحو 90 في المئة من حالات سرطان القولون – لا تُسرّع هذه الدورة كما كان يُعتقد، بل تُبطئها على نحو خطير. فالخلايا تفقد قدرتها على الانتقال الطبيعي، وتتكدّس في أماكنها الأولى، محتفظة بحالة «عدم النضج». ومع مرور الوقت، يتحول هذا التكدس إلى اضطراب بنيوي في النسيج، يمهّد لظهور الأورام الغدية، وهي البذرة الأولى للسرطان.

وباستخدام نماذج حاسوبية متقدمة مقرونة بأنسجة مأخوذة من مرضى، استطاع الباحثون تتبّع هذا الخلل بدقة غير مسبوقة. وتبيّن أن مجرد إبطاء تجدد الخلايا يكفي لإحداث فوضى داخل النسيج المعوي، حتى قبل ظهور أي علامات مجهرية أو سريرية للمرض. فالقولون لا ينهار فجأة، بل يخرج تدريجيًا عن إيقاعه الحيوي.

أنْسجة المرضى الحاملة لطفرة APC أظهرت كثافة أعلى من الخلايا غير المتمايزة، ونقصًا في الخلايا المتخصصة الضرورية لوظيفة القولون، إضافة إلى تمدد غير طبيعي لمناطق الانقسام الخلوي. النتيجة هي بيئة مختلة، لا تنفجر فيها الخلايا نموًا، بل تختنق في أماكنها، وتفقد النظام الذي يحكم حياتها وموتها.

هذا التحول في الفهم يفتح أفقًا جديدًا في الوقاية والعلاج. فبدل الاكتفاء بملاحقة الخلايا السرطانية بعد ظهورها، يقترح الباحثون استهداف الخلل في “توقيت” التجدد الخلوي ذاته. فإذا أمكن إعادة ضبط هذا الإيقاع في مراحله المبكرة، قد يصبح بالإمكان إبطاء المرض أو حتى منعه قبل أن يتحول إلى سرطان كامل.

تكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنه ينقل السرطان من صورة “التمرد العنيف للخلايا” إلى صورة “النظام الذي فقد توازنه”. إنه مرض لا يولد من فائض الحياة، بل من تعثّرها. وفي هذا الفهم الجديد، يكمن وعد علمي بأن تكون المعركة القادمة ضد سرطان القولون معركة استعادة النظام، لا مجرد حرب ضد الخلايا.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد