من الصحة إلى البيئة: كيف تراهن الجزائر على جودة الحياة كمشروع دولة
في قصر الثقافة مفدي زكريا، لم يكن اللقاء الوطني الدراسي حول جودة الحياة مجرد تظاهرة بروتوكولية، بل رسالة سياسية وتنموية واضحة: جودة حياة المواطن لم تعد شعارًا عامًا، بل محورًا مركزيًا في سياسات الدولة. هذا ما أكده وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، خلال مشاركته في افتتاح أشغال اللقاء المنعقد يوم الأحد 21 ديسمبر 2025، تحت شعار «مكتسبات وطنية برهانات تنموية»، وبرعاية الوزير الأول وتحت إشراف وزيرة البيئة وجودة الحياة، وبحضور رسمي واسع يعكس الطابع الاستراتيجي للحدث.
منذ كلمته الافتتاحية، وضع وزير الصحة النقاش في سياقه الحقيقي، مؤكدًا أن تحسين جودة الحياة يندرج ضمن أولويات السلطات العليا للبلاد، ويجسد رؤية رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، باعتباره التزامًا فعليًا تجاه المواطن، ومسؤولية جماعية تتطلب تنسيقًا بين مختلف القطاعات والفاعلين.
الوزير شدد على أن نقطة الانطلاق الحقيقية لجودة الحياة هي تحسين المحددات الاجتماعية للصحة، باعتبارها ركيزة أساسية في مخطط التنمية الوطنية. فمجانية الوقاية والعلاج، وتعزيز التغطية الصحية، وضمان العدالة في الولوج إلى الخدمات، ليست امتيازات ظرفية، بل حقوق دستورية تجعل من الصحة أساسًا للاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.
وفي هذا الإطار، أبرز آيت مسعودان أن وزارة الصحة تعمل، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية، على تقريب الخدمة الصحية من المواطن، من خلال تدعيم الهياكل الصحية الجوارية، وتطوير شبكات الرعاية الصحية الأولية، وتحسين نوعية التكفل داخل المؤسسات الاستشفائية، بما يضمن خدمة أكثر فعالية وإنصافًا.
ولم يغفل الوزير الدور المحوري للوقاية وترقية الصحة، مشيرًا إلى أن برامج التلقيح، ومكافحة الأمراض المتنقلة وغير المتنقلة، وتعزيز الكشف المبكر، ونشر ثقافة السلوك الصحي السليم، تشكل أدوات عملية لخفض الضغط على المنظومة الصحية ورفع متوسط العمر وجودة العيش.
أما العنصر البشري، فقد احتل موقعًا متقدمًا في رؤية الإصلاح، حيث أكد الوزير أن تطوير الموارد البشرية الصحية هو شرط أساسي لنجاح أي سياسة صحية، عبر تحسين ظروف العمل، ودعم التكوين المستمر، وتحفيز الكفاءات، بما يعيد الاعتبار لمهنيي الصحة ويضمن خدمة قائمة على الكفاءة والبعد الإنساني.
وفي مواكبة للتحولات العلمية، كشف الوزير عن توجه الدولة نحو إنشاء أقطاب صحية متخصصة، تُعنى بتطوير الطب الدقيق كخيار استراتيجي حديث، يسمح بتشخيص وعلاج الأمراض وفق الخصوصيات الجهوية، وتركيز الكفاءات الوطنية، ودعم البحث والابتكار، وتحسين نجاعة التكفل الصحي وجودة الخدمات.
كما شدد على أن الحديث عن صحة شاملة لا يكتمل دون إدماج الصحة النفسية في صلب السياسات العمومية، من خلال تعزيز هياكل التكفل، ومرافقة الفئات الهشة، وكسر الصمت المجتمعي حول هذا الجانب الحساس من صحة الأفراد والجماعات.
التحول الرقمي بدوره قُدِّم كرافعة أساسية لإصلاح القطاع، عبر رقمنة المسارات العلاجية، وتطوير نظم المعلومات الصحية، بما يسهل ولوج المواطن إلى العلاج، ويرفع من شفافية وفعالية التسيير الصحي.
ولأن جودة الحياة لا تنفصل عن محيط الإنسان، ربط الوزير بشكل واضح بين الصحة وحماية البيئة، مشيرًا إلى أهمية الحفاظ على الموارد المائية، ومكافحة التلوث، وترقية المساحات الخضراء، والتسيير المستدام للنفايات، والانتقال إلى الطاقات المتجددة، باعتبارها عناصر مباشرة في حماية الصحة العمومية وضمان مستقبل الأجيال القادمة.
وفي ختام مداخلته، كان الموقف حاسمًا: تحسين جودة الحياة ليس هدفًا تجميليًا ولا خطابًا مناسباتيًا، بل عمل يومي قابل للقياس والتقييم، يتطلب التنسيق والانخراط الجاد لكل الفاعلين، من مؤسسات الدولة إلى الفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني، من أجل عيش كريم يسوده الأمان، والصحة الجيدة، وأفق تنموي أكثر إشراقًا.
مريم عزون