ملعقة تقرّر المصير: الزبدة أم الزيوت النباتية؟

في زمن تتسارع فيه الإرشادات الغذائية وتتضارب فيه النصائح الصحية، تأتي الدراسات العلمية لتعيد ترتيب الأولويات وتضع الحقائق على الطاولة. دراسة أمريكية جديدة، نُشرت في يوليو 2025 في مجلة BMC Medicine، أعادت فتح ملف الدهون الغذائية من زاوية حاسمة: أيهما أكثر ارتباطًا بخطر الوفاة — الزبدة أم الزيوت النباتية؟

الدراسة اعتمدت على بيانات ضخمة جمعت من أكثر من نصف مليون شخص بالغ في الولايات المتحدة، تتراوح أعمارهم بين 50 و71 عامًا، وتمت متابعتهم لمدة 16 عامًا. على امتداد هذه الفترة، رصد الباحثون عاداتهم الغذائية، وحالات الوفاة، وأسبابها، ليصلوا إلى استنتاجات دقيقة بشأن تأثير استهلاك الزبدة والزيوت النباتية على معدلات الوفاة العامة، والوفيات الناتجة عن أمراض القلب والسرطان.

النتائج كشفت أن الزيوت النباتية — وعلى رأسها زيت الزيتون وزيت الكانولا وزيت فول الصويا — ارتبطت بانخفاض واضح في خطر الوفاة مقارنة بالزبدة. الأشخاص الذين استبدلوا الزبدة بكميات معتدلة من هذه الزيوت سجلوا معدلات وفاة أقل بنسبة تصل إلى 10%، وهي نسبة يُعتدّ بها في المجال الوبائي. أما الزبدة، فلم تُظهر زيادة كبيرة في خطر الوفاة العامة، لكنها بدت أقل أمانًا حين تمت مقارنتها بالدهون غير المشبعة الموجودة في الزيوت النباتية، خاصة من حيث علاقتها بأمراض القلب والشرايين.

زيت الزيتون كان في الصدارة. المشاركون الذين استخدموه بانتظام، حتى بكميات بسيطة يوميًا، سجلوا معدلات وفاة أقل من أولئك الذين استخدموا الزبدة أو حتى أنواعًا أخرى من الزيوت النباتية. وأرجع الباحثون هذه النتيجة إلى التركيبة الفريدة لزيت الزيتون، الغني بالأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة ومضادات الأكسدة الطبيعية التي تقلل من الالتهاب وتحمي الأوعية الدموية.

وإن كانت الدراسة لا تدعو إلى الشيطنة المطلقة للزبدة، فإنها تقدم حجة قوية لصالح تقليل استهلاك الدهون المشبعة عمومًا، وتشجع على التحول نحو الزيوت الغنية بالدهون غير المشبعة، كخيار غذائي طويل الأمد يحمي القلب ويطيل العمر. فالتغيير لا يتطلب ثورة في المطبخ، بل مجرد تعديلات ذكية، تبدأ باستبدال ملعقة، وتنتهي بحماية شريان.

في نهاية المطاف، ليست الزبدة سمًّا غذائيًا، لكنها ببساطة لم تعد الطرف الأقوى في معادلة الصحة. والمفارقة أن الإجابة على سؤال الحياة الصحية قد تكون في ملعقة صغيرة — تختار فيها بين دهن حيواني معتاد، وزيت نباتي يثبت، مرة بعد أخرى، أنه أكثر من مجرد مكوّن للطهي: إنه استثمار طويل الأمد في الصحة.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد