الصحة النفسية تحت الأضواء في الأمم المتحدة: من التهميش إلى أولوية عالمي

لأول مرة في تاريخها، تضع الجمعية العامة للأمم المتحدة قضية الصحة النفسية في صدارة جدول أعمالها، من خلال القمة الرابعة حول الأمراض غير السارية والصحة النفسية التي انعقدت يوم 25 سبتمبر 2025 بمقر المنظمة في نيويورك. هذه الخطوة اعتُبرت تحولاً تاريخياً، لأنها ترفع ملفاً ظل لسنوات طويلة مهمشاً إلى مرتبة الأولويات الصحية العالمية.

فقد شددت منظمة الصحة العالمية على أن الاضطرابات النفسية لم تعد مجرد شأن فردي أو اجتماعي، بل باتت تحدياً صحياً يوازي في خطورته الأمراض المزمنة كالسكري وأمراض القلب. وغياب التكفل النفسي، تضيف المنظمة، يفاقم العبء الصحي والاجتماعي ويُضعف فعالية أي نظام صحي مهما بلغت درجة تطوره. ومع ذلك، ما تزال الميزانيات الموجهة للصحة النفسية محدودة جداً، وغالباً ما تُنفق على مؤسسات علاجية مغلقة بدل تطوير الرعاية المجتمعية وخدمات القرب. كما تظل وصمة العار حاجزاً كبيراً يحول دون طلب المساعدة، فيما يواجه ملايين الأشخاص في الدول النامية نقصاً حاداً في الأطباء النفسانيين والبنى التحتية.

القمة الأممية تهدف إلى تغيير هذا الواقع من خلال إعلان سياسي جديد يتضمن التزامات واضحة لدمج الصحة النفسية في السياسات الوطنية، وضمان تمويلات مستدامة، وتعزيز الرعاية الوقائية والدعم النفسي في المجتمع. وتشمل الأولويات المطروحة حماية الأطفال والشباب من المخاطر النفسية، والوقاية من الانتحار، وإشراك المرضى وأصحاب التجارب النفسية في صياغة الاستراتيجيات، إلى جانب التحول من الاعتماد على المؤسسات المغلقة إلى نماذج علاجية أكثر إنسانية وانفتاحاً.

إن إدراج الصحة النفسية في مداولات الجمعية العامة يعد مكسباً رمزياً مهماً، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة الدول على ترجمة هذه الالتزامات إلى سياسات ملموسة وخدمات واقعية. فالملايين ما زالوا يعانون في صمت، والأمل أن تكون هذه القمة نقطة تحول حقيقية، لا مجرد إعلان سياسي، نحو الاعتراف بأن الصحة النفسية حق أساسي من حقوق الإنسان وشرط لا غنى عنه لبناء مجتمعات متوازنة وصحية.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد