في عصر تغزوه الشاشات، بات من الشائع أن نرى مراهقين يحدقون في هواتفهم لساعات طويلة، غارقين في محادثات وصور ومقاطع لا تنتهي. وبينما يُنظر إلى هذه التقنيات على أنها أدوات ترفيه وتواصل، تتصاعد المخاوف بشأن تأثيرها العميق – وربما المدمر – على الصحة النفسية لجيل بأكمله. فهل الأمر مجرد ذعر اجتماعي جديد، أم أننا أمام أزمة صحية خفية تغذيها الشاشات المضيئة؟
كشفت مجلة Nature في دراسة حديثة أن معدلات القلق والاكتئاب بين المراهقين في تزايد مستمر، خاصة في المجتمعات الغربية. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ارتفعت نسبة المراهقين الذين يعانون من أعراض الاكتئاب من 16% عام 2010 إلى أكثر من 21% بعد خمس سنوات فقط، مع تسجيل نسب أعلى بكثير لدى الفتيات. هذا التدهور النفسي المتزامن مع الانتشار الهائل للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي يطرح سؤالاً حتمياً: هل هناك علاقة سببية حقيقية؟رغم ما يعتقده البعض، لم تصل الأبحاث إلى توافق علمي قاطع. فبينما تشير دراسات متعددة إلى أن الاستخدام المكثف للشاشات يرتبط بتدهور نوعية النوم، وزيادة مشاعر القلق، والإدمان على المقارنة بالآخرين، ترى أبحاث أخرى – مثل تلك الصادرة عن جامعة أكسفورد – أن العلاقة بين استخدام التكنولوجيا والمشاكل النفسية ضعيفة ولا تكفي لاعتبارها العامل الحاسم. الأسوأ من ذلك، أن بعض هذه الدراسات تعتبر التركيز على “مدة الاستخدام” تبسيطاً مفرطاً يتجاهل السياق، كنوعية المحتوى المستهلك، أو الحالة النفسية السابقة للمراهق.
ما يزيد من تعقيد الصورة هو أن تأثير هذه المنصات ليس سلبياً بالمطلق. فقد يستمد بعض المراهقين الدعم والتقدير من تفاعل إيجابي مع أقرانهم، أو يجدون في المنصات فضاءً للتعبير عن الذات وبناء علاقات خارج محيطهم المباشر. ومع ذلك، فإن الخطر يكمن حين تحل هذه “الصداقات الرقمية” محل الروابط الواقعية، ويُختزل التقدير الذاتي في عدد الإعجابات والمتابعين.
خلاصة القول: الهواتف الذكية ومواقع التواصل ليست شياطين رقمية، لكنها أيضاً ليست بريئة تماماً. المطلوب اليوم ليس منع المراهقين من استخدامها، بل مرافقتهم في رحلة فهم هذه الأدوات، وتمكينهم من استخدامها بوعي واتزان. ذلك أن التحدي الحقيقي لا يكمن في محاربة التكنولوجيا، بل في توجيهها نحو ما يخدم الإنسان لا ما يستنزفه.
فاطمة الزهراء عاشور