في محاولة لفك خيوط العلاقة المعقدة بين القلق والانتباه الذهني (اليقظة الذهنية) والتحكم المعرفي، طرحت دراسة أمريكية حديثة نُشرت في مجلة Neuroscience and Biobehavioral Reviews تصوراً جديداً يعيد النظر في طريقة فهمنا لهذه التفاعلات النفسية الدقيقة. الباحثون من جامعة إلينوي يقترحون أن الخلل لا يكمن فقط في تعدد النتائج المتناقضة التي قدمتها الدراسات السابقة، بل في الطريقة التي صيغت بها الأسئلة منذ البداية.
فعلى مدى سنوات، جرى التعامل مع مفاهيم مثل “القلق” و”الانتباه الذهني” و”التحكم المعرفي” كمفاهيم موحدة وثابتة، بينما تشير الدراسة الجديدة إلى أن هذه البنى النفسية معقدة ومتعددة الأبعاد، ولا يمكن اختزالها في مقاييس بسيطة أو تعريفات جامدة. وبدلاً من التناول الكلي، يقترح الباحثون فهماً أكثر دقة يُفكك كل مفهوم إلى مكوناته الفرعية، سواء كانت معرفية أو سلوكية أو عصبية.
المثير في نتائج الدراسة أن العلاقة بين القلق والتحكم المعرفي ليست دائماً سلبية أو معيقة كما كان يُفترض، بل تعتمد على نوع القلق، ودرجة شدته، وطريقة تعامل الفرد معه. أما الانتباه الذهني، فقد لا يكون دواءً سحرياً في جميع الحالات، بل تختلف نتائجه بحسب السياق وطبيعة التمرينات الذهنية المعتمدة.
انطلاقاً من مراجعة معمقة لعشرات الدراسات السابقة، توصل الفريق العلمي إلى أن كثيراً من التناقضات في النتائج تعود إلى غياب تصنيف دقيق للأبعاد الفرعية التي تتم دراستها. فليس كل “قلق” متشابهاً، ولا كل “يقظة ذهنية” تؤدي إلى تحكم أفضل في التفكير أو الانفعالات.
وتقترح الدراسة في ختامها نموذجاً منهجياً جديداً يربط بين الأبعاد المختلفة لهذه المفاهيم بطريقة تسمح بتصميم دراسات أكثر دقة، كما تمهد لتطوير تدخلات علاجية موجهة وفعالة، خصوصاً في مواجهة اضطرابات القلق.
في عالم تتسارع فيه وتيرة الضغوط النفسية، وتُطرح فيه أسئلة يومية عن كيفية التحكم في التشتت والانفعالات، تقدم هذه الدراسة منظوراً علمياً بالغ الأهمية: فهم النفس ليس في التبسيط، بل في الاعتراف بتعقيدها.
فاطمة الزهراء عاشور