إصلاح الصحة بين الإرادة السياسية والتحديات الميدانية

ترأس وزير الصحة، عبد الحق سايحي، يوم الإثنين 14 أفريل 2025، اجتماعًا تقييميا بمقر الوزارة جمعه بالمديرين العامين للمؤسسات الصحية، بحضور إطارات الإدارة المركزية. اللقاء جاء في إطار المتابعة الدورية لتجسيد “مخطط عمل المريض”، الذي تراهن عليه الوزارة لإحداث تحوّل نوعي في أداء المنظومة الصحية وضمان خدمة تليق بتطلعات المواطن.

الوزير أشاد بالنتائج الإيجابية المحققة في بعض المحاور، مشيرًا إلى أن التحسن المسجل دليل على فعالية بعض التدابير المتخذة. غير أنه لم يُخفِ الحاجة إلى مضاعفة الجهود والعمل بوتيرة أسرع وأكثر تنسيقًا لتجاوز مظاهر الخلل البنيوي التي لا تزال تعيق تحقيق الأهداف المعلنة.

من خلال توجيهاته، أبان الوزير عن وعي واضح بأهمية الصحة الوقائية، حيث شدد على ضرورة دعم مصالح علم الأوبئة والطب الوقائي، باعتبارها خط الدفاع الأول ضد المخاطر الصحية، لاسيما في ظل التحديات المرتبطة بتغير المناخ وانتقال الأوبئة. وحرص على تأكيد أهمية التنسيق بين المديرية العامة للوقاية والمؤسسات الصحية، في خطوة تُفهم على أنها محاولة لتجاوز الطابع المركزي الجامد الذي كثيرا ما عرقل فعالية الاستجابة الصحية في بعض المناطق.

في ما يتعلق بتوفير الأدوية، أعاد الوزير التأكيد على أن الأمن الدوائي لا يُبنى بالوعود، بل باليقظة والتخطيط الاستباقي. وقد جاء حديثه عن التنسيق بين معهد باستور والصيدلية المركزية للمستشفيات كتذكير بأن ضمان توفر الدواء لا يقل أهمية عن تحسين التشخيص أو تأهيل الكوادر. وهي مسألة اكتسبت حساسية إضافية في المناطق الحدودية التي تواجه أحيانًا ضغطًا إضافيًا بفعل موقعها الجغرافي.

وبالعودة إلى مصالح الاستعجالات، ورغم اعتراف الوزير بتحسن جزئي، إلا أن نبرته اتسمت بالحزم عندما تحدث عن “تسريع الإصلاحات” ومنح هذه المصالح استقلالية أكبر في التسيير. كلام يعكس إدراكًا بأن الازدحام، وسوء التنظيم، وتدني التكفل بالمرضى في الحالات الحرجة، تُشكل نقاط ضعف جوهرية في علاقة المواطن بالمرفق الصحي.

دعوة الوزير إلى تعزيز ثقافة التبرع بالدم والتكوين المتواصل للأطقم الشبه الطبية تؤشر إلى وعي بأن بناء منظومة صحية فعالة لا يمر فقط عبر شراء العتاد أو تشييد الهياكل، بل عبر تعبئة المجتمع وتأهيل العنصر البشري. غير أن ترجمة هذا الوعي إلى أثر ملموس يظل رهينًا باستمرارية هذه المبادرات وعدم اكتفائها بطابع ظرفي.

ولم يُغفل الوزير الجوانب المرتبطة بالحوكمة، حين شدد على إشراك الشركاء الاجتماعيين وخلق خلايا استماع دائمة ترصد انشغالات العاملين. وقد يُقرأ ذلك كمحاولة لامتصاص التوترات داخل القطاع، وضمان بيئة عمل أكثر استقرارًا تسمح بتنفيذ الإصلاحات دون عوائق داخلية. في المقابل، فإن تجديده الدعوة إلى تجاوز البيروقراطية والانفتاح على المبادرات المحلية يعكس إدراكًا بأن مركزية القرار لا يمكن أن تستوعب تعقيد الواقع الصحي على امتداد الوطن.

ورغم وضوح الخطاب ووجاهة التوجيهات، يبقى التحدي الأكبر هو المرور من النوايا إلى الإنجاز، ومن الخطاب الإصلاحي إلى أثر ملموس يلمسه المواطن في قاعات الانتظار وغرف الاستعجالات وصيدليات المستشفيات. فنجاح مخطط عمل المريض لن يُقاس بعدد الاجتماعات ولا ببلاغات الوزارات، بل بقدرة المنظومة الصحية على استرجاع ثقة المواطن، واستعادتها لدورها الطبيعي: صون الحياة والكرامة.

مريم عزون

Comments (0)
Add Comment