في إنجاز علمي غير مسبوق، تمكن باحثون في معهد ألين لعلوم الدماغ في سياتل من بناء أكثر النماذج ثلاثية الأبعاد تفصيلاً حتى اليوم لدماغ أحد الثدييات، وتحديداً لدماغ فأر. ورغم صغر حجم العينة المدروسة — لا يتعدى حجم حبة رمل — إلا أنها أظهرت تعقيداً مذهلاً يُضاهي تعقيد الكون نفسه.
ففي جزء صغير جداً من قشرة دماغ الفأر، رصد العلماء نحو 100 ألف خلية عصبية، ونحو 500 مليون تشابك عصبي، بالإضافة إلى شبكة عصبية تمتد على مسافة تزيد عن ثلاثة كيلومترات. هذا الاكتشاف، بحسب الدكتور كلاي ريد من معهد ألين، “يشبه غابة مترابطة بشكل دقيق، مملوءة بقوانين لا نزال نحاول فهمها.”
وقد نُشرت نتائج هذا العمل العلمي الهائل في مجلة “Nature” الرصينة، حيث أبرزت كيف أن هذا النموذج قد يفتح آفاقاً جديدة لفهم ليس فقط كيفية عمل الدماغ البشري، بل أيضاً لفهم وعلاج أمراض عصبية معقدة مثل الزهايمر، الفصام، الباركنسون والتوحد.
ويُعد الجزء المدروس من دماغ الفأر مسؤولاً عن الرؤية، ما يتيح للباحثين تطوير فرضيات أكثر دقة حول آليات المعالجة البصرية في دماغ الإنسان. وقال الدكتور فورست كولمان: “من خلال دراسة طريقة عمل دماغ الفأر، يمكننا بناء تصورات أفضل حول عمل أدمغتنا.”
ولتحقيق هذا الإنجاز، سجل العلماء نشاط دماغ الفأر أثناء مشاهدته لمقاطع فيديو على موقع “يوتيوب”، مما سمح لهم بمراقبة كيفية تفاعل الشبكات العصبية. ثم تم تقطيع النسيج الدماغي إلى 25 ألف طبقة، لا تتجاوز سماكة الواحدة منها 1/400 من عرض شعرة الإنسان، وقاموا بمسحها باستخدام مجاهر إلكترونية عالية الدقة لتحويلها إلى نموذج ثلاثي الأبعاد.
ويصف كولمان هذا النموذج قائلاً: “النظر إليه يشبه التحديق في سماء ليل صافية، نكتشف من خلالها مدى اتساع الكون وكثافة نجومه وكواكبه.” وأضاف: “أحد الجوانب الجميلة في هذا المشروع هو مدى روعة الدماغ نفسه، إذ يُظهر النموذج تفاصيل وحجماً للخلايا العصبية بطريقة تدفعنا لتقدير هذا العضو المذهل بكل خشوع.”
هذا النموذج، الذي يمكن تشبيهه بـ”خرائط غوغل” للدماغ، يُمثل خطوة جبارة نحو رسم خريطة دقيقة للعقل البشري: خريطة لا تقتصر على “الطرق السريعة” العصبية، بل تصل إلى “كل طريق فرعي، وكل بيت، وكل غرفة، وكل باب ونافذة.”
بهذا التقدم، يخطو العلم خطوة إضافية نحو فك شيفرة أكثر الأعضاء تعقيداً في جسم الإنسان، في محاولة لفهم الذات، وتحقيق ثورة في الطب العصبي.
فاطمة الزهراء عاشور