كشفت دراسة تحليلية صادرة عن المرصد الجهوي للصحة بقسنطينة (BER-EST N°03) عن واقع مثير للقلق بخصوص سرطان عنق الرحم في ولايات الشرق الجزائري، حيث يُسجَّل ضعف في برامج الوقاية، ومحدودية في التغطية بالكشف المبكر، إلى جانب نقص تكوين مهنيي الصحة.
على المستوى الوطني، يحتل سرطان عنق الرحم المرتبة الرابعة بين السرطانات الأكثر شيوعًا لدى النساء، بنسبة إصابة تقدَّر بـ7.7 حالات لكل 100 ألف امرأة، حسب منظمة الصحة العالمية (2021). وقد سُجِّل عدد الوفيات بـ1100 حالة سنويًا، بنسبة وفيات/إصابات تصل إلى 0.56، ما يعكس تأخرًا كبيرًا في التشخيص وصعوبة في التكفل العلاجي.
أما على المستوى المحلي، فقد بلغ معدل الإصابة في ولاية قسنطينة 3.5 حالة لكل 100 ألف امرأة سنة 2018، وارتفع إلى 4.3 حالات سنة 2019، حسب ما أورده سجل السرطان المحلي، مع ملاحظة توجه تصاعدي يستدعي دق ناقوس الخطر.
الكشف المبكر: الحلقة الأضعف في الوقاية
أظهر التقرير أن برامج الكشف المبكر، وعلى رأسها اختبار Pap، لا تزال تغطي نسبًا ضئيلة من النساء المعنيات، حيث لا تتجاوز في بعض البلديات 7%. وتوجد وحدة واحدة فقط متخصصة في الكشف والتشخيص المبكر بقسنطينة، تقع في العيادة متعددة الخدمات بحي بومرزوق، مما يعقّد من فرص التشخيص السريع ويكرّس الفوارق الجغرافية في الوصول إلى الخدمة الصحية.
ويُعزى هذا النقص إلى غياب تخطيط صحي فعّال، وتراجع الاهتمام السياسي بملف الوقاية من السرطان، بالرغم من أن سرطان عنق الرحم يُعتبر من السرطانات القابلة للوقاية إذا تم تشخيصها في مرحلة مبكرة.
نقص التكوين لدى المهنيين الصحيين
أجرت مصالح الصحة بولاية قسنطينة دراسة تقييمية استقصت مدى معرفة مهنيي الصحة حول سرطان عنق الرحم. وقد كشفت النتائج عن ثغرات مقلقة في المعارف الأساسية: كثير من الأطباء العامين والممرضين يجهلون العلاقة بين فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) والسرطان، كما لا يعتبر بعضهم التلقيح أولوية وقائية.
هذا النقص في التكوين يعكس غياب برامج مستمرة للتحديث العلمي، وعدم وجود بروتوكولات موحدة داخل الهياكل الصحية، ما ينعكس سلبًا على فعالية أنشطة الكشف والتحسيس.
في ضوء هذه المعطيات، دعا التقرير إلى ضرورة إعادة هيكلة شاملة لسياسة الوقاية والتكفل، واقترح الإجراءات التالية:
• إدراج التلقيح ضد فيروس HPV ضمن البرنامج الوطني للتلقيح، واستهداف الفتيات قبل سن النشاط الجنسي.
• توسيع شبكة وحدات الكشف والتشخيص عبر جميع المؤسسات الصحية، مع ضمان مجانيتها.
• تكوين دوري ومهيكل لمهنيي الصحة حول أحدث وسائل الوقاية والتكفل، مع تفعيل دورهم في التحسيس.
• تعزيز الدعم النفسي والاجتماعي في مسار العلاج، وتوفير مراكز مختصة تراعي البعد الإنساني.
• مشاركة فعالة للمجتمع المدني في حملات التوعية، خاصة في المناطق الهشة والريفية.
إن سرطان عنق الرحم في الجزائر يمثل تحديًا صحيًا يستدعي استجابة وطنية متكاملة. ومع توفّر وسائل فعالة للوقاية، فإن مفتاح النجاح يكمن في الإرادة السياسية، والتكوين المستمر، وعدالة الوصول إلى الفحص والعلاج. فكل تأخر في التحرك يُترجم إلى مزيد من الإصابات، ومعاناة كان بالإمكان تفاديها.
مريم عزون