تلوث الهواء: القاتل الصامت الذي يهدد العالم

اجتمع أكثر من 700 مشارك من 100 دولة، بينهم رؤساء دول ووزراء وعلماء وممثلون عن المجتمع المدني، في مدينة كارتاخينا الكولومبية لحضور المؤتمر العالمي الثاني لمنظمة الصحة العالمية حول تلوث الهواء والصحة. الحدث، المنظم بالشراكة مع كولومبيا، سلط الضوء على أزمة صحية عالمية متفاقمة تتطلب تحركًا عاجلًا.

أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن الوقت قد حان للانتقال من الوعود إلى الأفعال الجريئة، مشددًا على ضرورة الاستثمار في حلول مستدامة مثل الطاقة النظيفة ووسائل النقل المستدام، وتطبيق المعايير العالمية لجودة الهواء، مع التركيز على حماية الفئات الأكثر ضعفًا في المناطق الأكثر تلوثًا. الهدف المشترك الذي تم تحديده في المؤتمر هو تقليل التأثيرات الصحية لتلوث الهواء بنسبة 50% بحلول عام 2040.

تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن تلوث الهواء يتسبب في سبعة ملايين حالة وفاة مبكرة سنويًا، مما يجعله ثاني أخطر عامل مسبب للأمراض عالميًا بعد ارتفاع ضغط الدم. ماريا نيرا، مديرة قسم البيئة وتغير المناخ والصحة في منظمة الصحة العالمية، وصفت التلوث الجوي بأنه “العامل الأول المسبب للأمراض في عصرنا”. ورغم أن العبء الأكبر يقع على الدول التي تشهد توسعًا حضريًا سريعًا وتفتقر إلى الأطر التنظيمية الصارمة، فإن التكلفة الاقتصادية والصحية تتزايد على مستوى العالم.

لا تقتصر خطورة تلوث الهواء على الصحة العامة فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد والبيئة، حيث يؤثر بشكل مباشر على الأنظمة الصحية ويزيد من الأعباء المالية على المستشفيات. ومع ذلك، فإن بعض الدول مثل الصين أثبتت أنه من الممكن تقليل الانبعاثات دون التأثير سلبًا على النمو الاقتصادي، مما يدحض الفكرة القائلة بأن مكافحة التلوث تتطلب استثمارات غير مجدية.

يرتبط تلوث الهواء ارتباطًا وثيقًا بتغير المناخ، إذ تتسبب انبعاثات الوقود الأحفوري في تفاقم المشكلتين معًا. الحل يكمن في التحول إلى الطاقات المتجددة، وتحسين التخطيط الحضري، والتخلص التدريجي من مصادر التلوث. في هذا السياق، قدمت كولومبيا سلسلة من المبادرات الطموحة، مثل استخدام وقود أنظف، وتطوير النقل العام الخالي من الانبعاثات، وخفض انبعاثات الكربون بنسبة 40% بحلول عام 2030. أما في أوروبا، حيث يتسبب تلوث الهواء في 300,000 حالة وفاة مبكرة سنويًا، فقد تبنى الاتحاد الأوروبي معايير أكثر صرامة تستهدف خفض الوفيات المرتبطة بالتلوث بنسبة 30% بحلول عام 2030.

التعاون الدولي ضروري في هذه المعركة، حيث أكدت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا أن اتفاقية التلوث العابر للحدود ساهمت في خفض انبعاثات الكبريت وأكاسيد النيتروجين بنسبة تصل إلى 80% مقارنة بمستويات عام 1990. غير أن التحدي الأكبر يظل متمثلًا في نقص القدرات التقنية لمراقبة جودة الهواء، خاصة في الدول النامية.

القطاع الصحي كان أحد المحاور الرئيسية للنقاش، حيث شدد الخبراء على أن جودة الهواء يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من سياسات الوقاية الصحية. نيرا أكدت أن “الأدلة على مخاطر تلوث الهواء لم تعد قابلة للإنكار، ولا يمكن لأحد بعد الآن أن يقول إنه لم يكن يعلم.”

مالك سعدو

Comments (0)
Add Comment