شهد العالم موجة غير مسبوقة من الاضطرابات بعد تفشي فيروس كورونا، حيث تسبب الفيروس في وفاة ما لا يقل عن سبعة ملايين شخص وأدى إلى إغلاق دول بأكملها. ومنذ ظهوره، أثار الجدل حول مصدره نقاشات حادة في الأوساط العلمية والسياسية.
نشرت صحيفة “VG” هذا الصيف مقالًا تحدث فيه خبراء عن أن التسرب من مختبر هو الآن السبب الأكثر احتمالًا لظهور الفيروس. ومع ذلك، في الأيام الأخيرة، تصدرت عناوين مختلفة وسائل الإعلام العالمية، وذلك بعد نشر دراسة جديدة في مجلة “Cell” الشهيرة، تشير إلى أن فيروس كورونا قد يكون نشأ من سوق للأطعمة في ووهان. وخلصت الدراسة إلى أن العدوى ربما انتقلت من حيوان إلى إنسان.
تضيف هذه الدراسة، وفقًا لأحد مؤلفيها، البروفيسور فلورنس ديبار، “وزنًا أكبر للأدلة”. وأكدت ديبار أن “كلما زادت البيانات المتاحة، اتجهت جميع النتائج في نفس الاتجاه، وهو أن الأصل مرتبط بتجارة الحيوانات في السوق”. وتابعت قائلة إن الباحثين يعتقدون أنهم توصلوا إلى الحقيقة بشأن أصل الفيروس، وإنه لا علاقة له بتسرب من مختبر، حسبما أفادت صحيفة “ديلي ميل”.
ومع ذلك، يشير بعض الخبراء الذين تحدثوا إلى صحيفة “VG” إلى أن القضية ليست بهذه البساطة. فقد حذر الأستاذ الفخري في جامعة أوسلو، ستيغ س. فرولاند، من استبعاد نظرية التسرب من المختبر بالكامل. وبخصوص الدراسة الجديدة، صرّح قائلًا: “هذه الدراسة لا تقدم إجابة حاسمة حول الجدل القائم بشأن التسرب من المختبر”. ووصف عنوان صحيفة “ديلي ميل” بأنه مجرد “ضجة إعلامية”.
أما إسبن ناكستاد، المدير السابق لمديرية الصحة ورئيس قسم العلاج الوطني في مستشفى أوسلو الجامعي، فقد أوضح ما تم تحقيقه في الدراسة، حيث قال: “قام الباحثون بتسلسل الفيروس من عينات بيئية مأخوذة من سوق ووهان ووجدوا أن عدة أنواع من الحيوانات التي كانت موجودة في السوق يمكن أن تكون مضيفات وسيطة للفيروس قبل انتقاله إلى مجموعات أوسع من البشر”.
وأشار ناكستاد إلى أن هذا يتوافق مع الرأي القائل بأن سوق ووهان كان “مركز انتشار” الفيروس الأول، وأنه انتقل بين عدة أنواع من الحيوانات الموجودة في السوق. لكنه أضاف أن الدراسة لا تقدم تفسيرًا لكيفية وصول العدوى إلى السوق؛ فقد تكون قد انتقلت من حيوان واحد أو إنسان زار السوق.
خلص فرولاند إلى أن الدراسة لا تقدم “بيانات جديدة هامة تحل مشكلة التسرب من المختبر”، وأن الجدل حول أصل الفيروس سيستمر، وربما دون إجابة قاطعة. ووافق الباحثون الذين أعدوا الدراسة على أن نتائجهم لا تشكل دليلًا نهائيًا على أصل الفيروس.
من جانبها، أعربت سيغريد براتلي، الحاصلة على درجة الدكتوراه في البيولوجيا الجزيئية، عن شكوكها في أن الفيروس تسرب من مختبر في ووهان. وقالت إن “التوثيق الذي اطلعت عليه يشير إلى أن الفيروس ربما جاء من هذا المختبر”. لكنها شددت على أن المسألة ما زالت غير محسومة، وأنه من المهم مواصلة البحث وجمع المزيد من الأدلة.
وأضافت براتلي أن الدراسة الجديدة “أظهرت أن العينات المأخوذة من السوق في يناير 2020 تحتوي على آثار من مواد جينية من كل من الحيوانات والبشر”. وأكدت أن “لم يُعثر على أي حيوان مضيف – أي حيوان يمكن أن يكون قد نقل الفيروس إلى الإنسان”. وختمت براتلي بقولها: “السوق لا يمكن استبعاده كمصدر، لكن استنتاجات حاسمة تُستخلص من بيانات محدودة للغاية”.
في النهاية، يبدو أن الجدل حول أصل فيروس كورونا لن يُحسم في أي وقت قريب. ومع استمرار الدراسات وتبادل الحجج بين العلماء، يظل العالم في انتظار إجابة قاطعة حول المصدر الفعلي للفيروس الذي غيّر مجرى التاريخ.
فاطمة الزهراء عاشور