رغم التقدم الذي أحرزه الطب في الوقاية من السرطان وتشخيصه وعلاجه، لا تزال آلاف النساء في إفريقيا يفقدن حياتهن بسبب أمراض يمكن الحد من وفياتها إذا توفرت خدمات صحية مناسبة في الوقت المناسب. فقد كشفت منظمة الصحة العالمية أن سرطان الثدي وسرطان عنق الرحم تسببا في وفاة نحو 350 ألف امرأة عبر القارة الإفريقية خلال سنة 2024، في حصيلة تعكس حجم الفجوة القائمة بين الإمكانات الطبية المتاحة وفرص الاستفادة منها.
وفي نداء مشترك نشرته المنظمة، اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، حذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إلى جانب فاطمة معادة بيو، رئيسة منظمة السيدات الأول الإفريقيات من أجل التنمية، وأما توم أمواه، مفوضة الاتحاد الإفريقي المكلفة بالصحة، من استمرار ارتفاع عبء هذين المرضين في القارة، مؤكدين أن كثيراً من الوفيات ترتبط بتأخر الكشف والتشخيص أو بصعوبة الحصول على العلاج.
ولا تتعلق المشكلة، وفق ما يبرزه هذا النداء، بنقص وسائل العلاج وحدها، بل بسلسلة من العوائق التي تواجه المريضات منذ المراحل الأولى للمرض. ففي مناطق عديدة، يتأخر اكتشاف السرطان إلى مراحل متقدمة، بينما تجد نساء أخريات صعوبات في الوصول إلى الفحوص المتخصصة أو خدمات الجراحة والعلاج الإشعاعي والأدوية الضرورية، فضلاً عن الأعباء المالية التي قد تتحملها الأسر طوال فترة التكفل.
وتشير المنظمة إلى أن فرص النجاة من السرطان تختلف بصورة كبيرة بين البلدان، تبعاً لإمكانات الأنظمة الصحية وقدرتها على ضمان التشخيص المبكر والعلاج المناسب. وتزداد خطورة هذه الفوارق عندما تضطر المريضة إلى الانتظار طويلاً للحصول على موعد للفحص أو الانتقال إلى مناطق بعيدة بحثاً عن خدمات علاجية غير متوفرة بالقرب من مكان إقامتها.
ويكتسي الوضع أهمية خاصة بالنسبة إلى سرطان عنق الرحم، الذي يرتبط في الغالب بعدوى مستمرة بأنواع عالية الخطورة من فيروس الورم الحليمي البشري. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التطعيم ضد هذا الفيروس، إلى جانب الفحوص المنتظمة للكشف عن التغيرات السابقة للسرطان وعلاجها، يمكن أن يمنع الغالبية العظمى من الحالات. أما سرطان الثدي، فيظل التشخيص المبكر والتكفل العلاجي السريع من أبرز العوامل التي تساهم في تحسين فرص الشفاء والحد من الوفيات.
وتدعو المنظمة، في هذا السياق، إلى تجاوز الحملات الموسمية للتوعية نحو سياسات صحية مستمرة تضمن توفير خدمات الوقاية والتشخيص والعلاج. كما تشدد على ضرورة تعزيز تجهيزات التصوير الطبي والتحاليل النسيجية والجراحة والعلاج الإشعاعي، مع تقليص الفترة الفاصلة بين اكتشاف العلامات الأولى للمرض وبدء العلاج.
ولا تقتصر الدعوة على وزارات الصحة وحدها، إذ يطالب أصحاب النداء الحكومات والبرلمانات والشركاء في التنمية بتخصيص تمويل مستدام لمكافحة السرطان وإدماج رعاية المريضات ضمن الخدمات الصحية الأساسية، بما يسمح بتقليص التفاوتات بين المناطق والفئات الاجتماعية، ويخفف الأعباء الاقتصادية والنفسية التي يفرضها المرض على النساء وعائلاتهن.
ويأتي هذا التحذير بالتزامن مع شهر أكتوبر المخصص عالمياً للتوعية بسرطان الثدي، ليطرح سؤالاً يتجاوز أهمية الكشف المبكر في حد ذاته: ماذا يحدث بعد اكتشاف المرض؟ فنجاح حملات التحسيس لا يقاس فقط بعدد النساء اللواتي يخضعن للفحص، وإنما أيضاً بمدى قدرة المنظومة الصحية على ضمان استكمال التشخيص وبدء العلاج دون تأخير.
وتؤكد الرسالة التي وجهتها منظمة الصحة العالمية وشريكاها الإفريقيان أن مكافحة السرطان لم تعد مجرد مسألة طبية، بل أصبحت كذلك قضية إنصاف اجتماعي تتعلق بحق النساء في الحصول على الرعاية، بصرف النظر عن مكان إقامتهن أو مستواهن المادي.
وبينما تتواصل الجهود لتوسيع الوقاية والكشف المبكر في القارة، يبقى التحدي الأكبر في تحويل الالتزامات المعلنة إلى خدمات صحية فعلية تصل إلى النساء في الوقت المناسب. فالرهان لم يعد مجرد رفع الوعي بخطورة السرطان، بل ضمان ألا يتحول التأخر في التشخيص أو صعوبة الوصول إلى العلاج إلى سبب إضافي لفقدان الأرواح.
مالك سعدو