كشف باحثون في الصين عن فيروس جديد ينتقل بواسطة القراد، قد يفسر جانبا من حالات الحمى التي كانت تثير الحيرة لدى الأطباء، خصوصا لدى مرضى تظهر عليهم أعراض تشبه مرضا فيروسيا معروفا في آسيا، بينما تأتي تحاليلهم سلبية للفيروس المسبب له.
الدراسة، التي نشرت مطلع سبتمبر في مجلة «نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسن»، تعرفت على الفيروس الجديد الذي أطلق عليه اسم «فيروس نايرو لقراد آسيا طويل القرون»، وينتمي إلى مجموعة الفيروسات المعروفة باسم «أورثونايروفيروس». وجاء الاكتشاف ضمن برنامج مراقبة لمرضى يعانون الحمى ولديهم تاريخ من التعرض للدغات القراد في مناطق صينية تنتشر فيها الأمراض المنقولة بهذه الحشرات.
وكان الباحثون يحاولون أساسا فهم سبب ظهور أعراض تشبه «متلازمة الحمى الشديدة مع نقص الصفائح الدموية» لدى عدد من المرضى رغم عدم العثور لديهم على فيروس دابي، المسبب المعروف لهذا المرض.
وشملت التحاليل 3163 مريضا مصابين بالحمى سبق لهم التعرض للقراد. وأظهرت النتائج وجود مؤشرات على الإصابة بالفيروس الجديد لدى نحو 10.4 في المئة منهم. وترتفع النسبة إلى 15.1 في المئة بين المرضى الذين جاءت اختباراتهم سلبية لفيروس دابي، ما يعزز فرضية أن الفيروس الجديد كان وراء جزء من الحالات التي ظلت من دون تفسير واضح.
ولدى 56 مريضا أصيبوا بالفيروس الجديد وحده، كانت الأعراض الأكثر شيوعا التعب واضطرابات الجهاز الهضمي، إضافة إلى نقص الصفائح الدموية لدى بعض الحالات وارتفاع إنزيمات الكبد. غير أن جميع هؤلاء المرضى تعافوا من دون تسجيل وفيات أو مضاعفات دائمة، وهي نقطة مهمة عند تقييم خطورة الفيروس وعدم المبالغة في تفسير النتائج.
الصورة كانت أكثر تعقيدا لدى المرضى المصابين في الوقت نفسه بالفيروس الجديد وفيروس دابي. فقد رصد الباحثون 38 حالة عدوى مزدوجة، ظهرت بينها اضطرابات تنفسية ومشكلات كلوية بوتيرة أعلى مقارنة بالمصابين بفيروس دابي وحده، وتوفي سبعة من هؤلاء المرضى.
لكن هذه النتائج لا تعني، في المرحلة الحالية، أن الفيروس الجديد هو المسؤول وحده عن الوفيات. فوجود عدوى مزدوجة يجعل من الصعب تحديد حجم مساهمة كل فيروس في شدة المرض، وهو ما يستدعي دراسات إضافية قبل استخلاص استنتاجات نهائية بشأن درجة خطورته.
ولم يقتصر البحث على المرضى. فقد فحص العلماء أكثر من 47 ألف قرادة جُمعت من 15 مقاطعة صينية، وعثروا على المادة الوراثية للفيروس لدى نحو 1.3 في المئة منها. وكانت أعلى نسبة لدى نوع يعرف باسم «قراد آسيا طويل القرون». كما أظهرت التجارب المخبرية قدرة هذا القراد على نقل الفيروس إلى الفئران، ما يدعم فرضية دوره كناقل للعدوى.
وتكمن أهمية الاكتشاف في أن عدة فيروسات قد تنتقل عبر النوع نفسه من القراد وتسبب أعراضا متشابهة، وهو ما يجعل التشخيص اعتمادا على العلامات السريرية وحدها أمرا صعبا. وقد يكون بعض المرضى الذين اعتبروا سابقا حالات مشتبه بها لمتلازمة الحمى الشديدة مع نقص الصفائح الدموية مصابين في الواقع بفيروس مختلف لم يكن معروفا أو لم تكن الاختبارات تبحث عنه.
ويفتح ذلك الباب أمام توسيع أدوات التشخيص والمراقبة الوبائية في المناطق التي تنتشر فيها الأمراض المنقولة بالقراد، خصوصا أن الدراسات الحديثة تكشف بصورة متزايدة عن تنوع أكبر مما كان معروفا سابقا لهذه الفيروسات.
ولا توجد، في المقابل، معطيات في هذه الدراسة تسمح بالحديث عن وباء جديد أو عن انتشار عالمي للفيروس، كما لم تقدم دليلا على وجوده خارج المناطق الصينية التي شملها البحث. لذلك تتمثل أهمية الاكتشاف حاليا في تحسين فهم أسباب بعض حالات الحمى المرتبطة بلدغات القراد، وليس في الإعلان عن تهديد وبائي جديد.
فاطمة الزهراء عاشور