قد يتعرض سكان المنطقة نفسها للدخان ذاته، لكن تأثيره الصحي لا يكون واحدا لدى الجميع. فالأطفال وكبار السن والنساء الحوامل ومرضى القلب والجهاز التنفسي، إضافة إلى العاملين في الهواء الطلق والمتدخلين قرب بؤر الحرائق، ينتمون إلى فئات أكثر هشاشة أو أكثر تعرضا. وبين الاستعداد البيولوجي وظروف السكن والعمل والوصول إلى العلاج، يكشف دخان الحرائق أن الخطر الصحي لا يتوزع بالتساوي.
لا يكفي قياس كثافة الدخان أو المسافة التي تفصل السكان عن بؤر الحرائق لفهم حجم الخطر الصحي. فالعمر، والحالة الصحية السابقة، ومدة التعرض، وطبيعة العمل، وحتى ظروف السكن، كلها عوامل يمكن أن تجعل شخصا أكثر تأثرا من آخر رغم وجودهما في المنطقة نفسها.
ويأتي الأطفال في مقدمة الفئات التي تستدعي اهتماما خاصا. فبحسب الأطباء المتخصصين، لا يتعلق الأمر فقط بصغر السن، بل بكون الجهاز التنفسي والمناعي لا يزالان في طور النمو. كما أن الطفل يستنشق، قياسا إلى وزن جسمه، كمية من الهواء أكبر من البالغ، ويقضي عادة وقتا أطول في الحركة والنشاط، ما قد يزيد كمية الملوثات التي تدخل إلى جهازه التنفسي.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن هذه الخصائص تجعل الأطفال أكثر حساسية لتلوث الهواء، بما في ذلك دخان حرائق الغابات. ويزداد الانتباه لدى الأطفال المصابين بالربو أو بأمراض تنفسية مزمنة، إذ يمكن أن يؤدي تدهور جودة الهواء إلى تفاقم الأعراض الموجودة أصلا.
وفي الطرف الآخر من العمر، يمثل كبار السن فئة شديدة الحساسية أيضا. فالتقدم في السن يترافق تدريجيا مع انخفاض قدرة الجسم على التكيف مع بعض الضغوط البيئية، كما ترتفع في هذه الفئة نسبة الإصابة بأمراض القلب والرئة وغيرها من الأمراض المزمنة.
ولهذا يرى الأطباء أن التعرض للدخان لدى شخص مسن يعاني قصورا في القلب أو مرضا رئويا لا يمكن تقييمه بالطريقة نفسها التي يقيم بها التعرض لدى شخص شاب لا يعاني مرضا مزمنا.
وتدخل النساء الحوامل بدورهن ضمن الفئات التي تستدعي احتياطات إضافية. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض لتلوث الهواء المرتبط بحرائق الغابات يمكن أن يرتبط بزيادة بعض مخاطر الحمل، من بينها الولادة المبكرة أو انخفاض وزن المولود. ولا يعني ذلك أن كل تعرض للدخان يؤدي إلى هذه المضاعفات، لكن الحمل يجعل تقليل التعرض غير الضروري للهواء الملوث أكثر أهمية.
أما بالنسبة إلى مرضى الربو والانسداد الرئوي المزمن وأمراض القلب، فإن المشكلة تختلف قليلا. فهؤلاء لا يكونون بالضرورة أكثر عرضة لاستنشاق الدخان، لكن أجسامهم قد تكون أقل قدرة على تحمله. ويشير أطباء الأمراض الصدرية إلى أن تلوث الهواء يمكن أن يزيد تهيج الشعب الهوائية، فيما قد يشكل ضغطا إضافيا على الجهاز القلبي الوعائي لدى المصابين بأمراض قلبية.
لكن الهشاشة لا ترتبط بالمرض والعمر وحدهما. فمدة التعرض قد تكون حاسمة أيضا. وهنا تظهر فئات أخرى، مثل رجال الحماية المدنية والمتطوعين وأعوان الغابات والعاملين في الهواء الطلق، الذين قد يقضون ساعات طويلة في أجواء محملة بالدخان، أحيانا على مسافة قريبة من مناطق الاحتراق.
وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن الخطر لا يأتي فقط من حساسية الجسم، وإنما من تراكم التعرض. فالشخص الذي يعمل في الهواء الطلق طوال اليوم لا يواجه الظروف نفسها التي يواجهها شخص يستطيع البقاء داخل مكان مغلق والحد من احتكاكه بالهواء الملوث.
وتفتح هذه النقطة بابا أوسع لفهم الخطر الصحي بعد الحرائق. فظروف السكن والوضع الاجتماعي والوصول إلى الرعاية الصحية يمكن أن تؤثر بدورها في درجة الحماية. فليس كل بيت قادرا على منع تسرب الدخان بالقدر نفسه، وليس كل شخص قادرا على مغادرة المنطقة أو تقليص ساعات العمل أو الوصول بسرعة إلى الطبيب عند تفاقم الأعراض.
ولهذا تضع منظمة الصحة العالمية ضمن عوامل الهشاشة أيضا ظروف السكن والعمل والوضع الاجتماعي وإمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية. وهو ما يجعل أثر الحرائق قضية صحة عامة، وليس مجرد مسألة استجابة فردية.
وبالنسبة إلى الأطباء، لا يعني تصنيف بعض الفئات على أنها أكثر عرضة أن بقية السكان بمنأى عن التأثير. فدخان الحرائق يمكن أن يسبب أعراضا حتى لدى الأصحاء إذا كان التعرض كثيفا أو مطولا. لكن الفارق أن هامش تحمل الجسم يكون أضيق لدى الطفل أو المسن أو المريض المزمن.
بعد الحرائق، لا يكفي إذن السؤال عن المناطق التي وصل إليها الدخان، بل ينبغي السؤال أيضا عن الأشخاص الذين استنشقوه: كم تبلغ أعمارهم؟ هل يعانون أمراضا مزمنة؟ كم استمر تعرضهم؟ وهل تسمح ظروفهم السكنية والمهنية بتقليل هذا التعرض؟
فهذه التفاصيل قد تكون هي التي تفصل بين تعرض عابر ومشكلة صحية تحتاج إلى متابعة.
مالك سعدو