لم تعد معركة الأنظمة الصحية الحديثة تُقاس بعدد المستشفيات أو الأسرة الاستشفائية فحسب، بل بقدرتها على اكتشاف المرض مبكراً ومنع تطوره قبل أن يتحول إلى عبء صحي واجتماعي واقتصادي ثقيل. ومن هذا المنطلق، وقّعت وزارة الصحة وشركة «سانوفي الجزائر» اتفاقية شراكة استراتيجية ترمي إلى تعزيز الوقاية والتوعية والتكوين الطبي في مجال عدد من الأمراض الالتهابية المزمنة، وفي مقدمتها الربو والانسداد الرئوي المزمن والتهاب الجلد التأتبي.
وتأتي هذه المبادرة في سياق تزايد الاهتمام عالمياً بالأمراض المرتبطة بما يُعرف بالالتهاب من النوع الثاني، وهي أمراض مزمنة قد ترافق المصاب لسنوات طويلة وتؤثر بشكل مباشر على جودة حياته وقدرته على الدراسة أو العمل أو ممارسة نشاطاته اليومية بشكل طبيعي.
وتسعى الاتفاقية إلى إرساء مقاربة أكثر استباقية في التعامل مع هذه الأمراض، من خلال ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في تعزيز الوعي المجتمعي بأعراضها وعوامل الخطر المرتبطة بها، وتطوير برامج التربية الصحية الموجهة للمواطنين، إلى جانب دعم التكوين الطبي المستمر لفائدة الأطباء ومهنيي الصحة بهدف تحسين التشخيص المبكر ورفع جودة التكفل بالمرضى.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى أن العديد من حالات الربو أو الانسداد الرئوي المزمن لا يتم تشخيصها إلا بعد ظهور مضاعفات تؤثر على وظائف الجهاز التنفسي، في حين يؤدي التأخر في التكفل بالأمراض الجلدية الالتهابية المزمنة إلى معاناة مستمرة قد تنعكس على الصحة النفسية والاجتماعية للمصابين.
وأكد الدكتور جمال فورار، المدير العام للوقاية وترقية الصحة بوزارة الصحة، أن الاتفاقية تندرج ضمن جهود تعزيز الصحة العمومية وتجسيد الأولويات الوطنية في مجال الوقاية، مشيراً إلى أهمية الشراكات التي تجمع بين القطاع العام والفاعلين الاقتصاديين من أجل توسيع نطاق البرامج الصحية وتحسين أثرها على المواطنين.
من جهته، اعتبر سيرج مونتيرو، المدير العام لشركة سانوفي الجزائر، أن هذه الشراكة تعكس التزام المؤسسة بمرافقة جهود السلطات الصحية من خلال مبادرات تستهدف تحسين النتائج الصحية والارتقاء بجودة حياة المرضى.
وتتجاوز أهمية هذه المبادرة مجرد إطلاق حملات تحسيسية أو دورات تكوينية، إذ تعكس تحولاً متزايداً في الرؤية الصحية نحو الاستثمار في الوقاية والكشف المبكر باعتبارهما الأقل كلفة والأكثر فعالية. فكل حالة يتم تشخيصها في الوقت المناسب، وكل مريض يتلقى العلاج المناسب قبل ظهور المضاعفات، يمثل مكسباً صحياً للإنسان ومكسباً استراتيجياً للمنظومة الصحية بأكملها.
مريم عزون