أكدت دراسة علمية واسعة النطاق نُشرت في مجلة Nature Human Behaviour أن النشاط البدني لا يحسّن صحة الجسم فحسب، بل يؤثر بشكل مباشر وفوري على الحالة النفسية والمزاج اليومي، حتى عندما يتعلق الأمر بحركات بسيطة وعادية خلال الحياة اليومية.
الدراسة، التي تُعد من أكبر الدراسات في هذا المجال، اعتمدت على تحليل بيانات 67 دراسة دولية شملت 8223 مشاركًا من 14 دولة، مع متابعة قرابة مليون ساعة من النشاط البدني عبر أجهزة استشعار رقمية، إضافة إلى أكثر من 321 ألف تقييم لحظي للمشاعر والحالة النفسية باستخدام الهواتف الذكية.
وخلص الباحثون إلى نتيجة لافتة: كلما تحرك الإنسان أكثر خلال يومه، ارتفعت مستويات المشاعر الإيجابية والطاقة النفسية لديه. كما تبين أن العلاقة تعمل في الاتجاهين؛ فالأشخاص الذين يشعرون بمزاج أفضل يكونون أكثر ميلًا إلى الحركة والنشاط لاحقًا، ما يخلق “حلقة إيجابية” بين الحركة والصحة النفسية.
وأوضح الباحثون أن التأثير الأقوى للنشاط البدني ظهر في ما يسمى “الاستثارة الإيجابية” أو الإحساس بالحيوية والطاقة، وهو ما يفسر لماذا يشعر كثير من الناس بالنشاط الذهني والراحة النفسية بعد المشي أو ممارسة الرياضة. كما سجلت الدراسة ارتفاعًا في المشاعر الإيجابية العامة وتحسنًا في الإحساس بالرضا خلال اليوم.
في المقابل، أشارت النتائج إلى أن النشاط البدني لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء المشاعر السلبية بشكل كامل، مثل التوتر أو الحزن، لكنه يساعد على تحسين التوازن النفسي العام ويمنح قدرة أفضل على التعامل مع الضغوط اليومية.
واعتمدت الدراسة على تقنيات حديثة تُعرف بـ“التقييم اللحظي للحياة اليومية”، حيث جرى قياس النشاط البدني والمشاعر بشكل مباشر وفي الوقت الحقيقي، بدل الاعتماد على ذاكرة المشاركين أو الاستبيانات التقليدية، ما منح النتائج دقة علمية أكبر وقرّبها من واقع الحياة اليومية.
كما كشفت الدراسة أن تأثير الحركة يختلف من شخص إلى آخر بحسب العمر والجنس ومؤشر كتلة الجسم ونمط الحياة، إلا أن الفائدة العامة للنشاط البدني ظهرت بشكل ثابت لدى أغلب المشاركين. وبيّنت النتائج أن الأشخاص الأصغر سنًا وذوي الوزن الطبيعي أظهروا ارتباطًا أقوى بين الحركة وتحسن المزاج.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تغيّر الطريقة التي تُنظر بها إلى النشاط البدني، إذ لم يعد مجرد وسيلة للوقاية من أمراض القلب أو السكري، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في دعم التوازن النفسي والصحة العقلية اليومية. كما قد تدفع هذه المعطيات الأنظمة الصحية والمدارس وأماكن العمل إلى تشجيع الحركة اليومية باعتبارها أداة لتحسين جودة الحياة وليس فقط اللياقة البدنية.
وتنسجم هذه النتائج مع توجه علمي متزايد يعتبر أن الصحة النفسية والنشاط البدني يؤثر كل منهما في الآخر بصورة مستمرة، وأن أبسط الأنشطة اليومية، مثل المشي أو صعود الدرج أو التحرك المنتظم خلال العمل، قد يكون لها أثر نفسي أكبر مما كان يُعتقد سابقًا.
فاطمة الزهراء عاشور