الجزائر تراهن على “الوقاية الاستباقية” لمواجهة الأوبئة والأمراض المزمنة

في ظل التحولات الصحية العالمية وتزايد التهديدات المرتبطة بالأوبئة والأمراض المزمنة، تتجه الجزائر نحو تعزيز مقاربة جديدة تقوم على التنسيق بين مختلف القطاعات من أجل بناء منظومة وقائية أكثر جاهزية وقدرة على الاستباق. وفي هذا السياق، عقدت المديرية العامة للوقاية وترقية الصحة، الثلاثاء 12 ماي 2026، اجتماعاً متعدد القطاعات جمع ممثلين عن مختلف الهيئات المعنية بالوقاية ومكافحة الأمراض المتنقلة وغير المتنقلة، وذلك تنفيذاً لتعليمات وزير الصحة محمد صديق آيت مسعودان.

ويعكس هذا اللقاء توجهاً واضحاً نحو الانتقال من التدخل بعد ظهور الأزمات الصحية إلى العمل الوقائي المبكر، خاصة في مواجهة الأمراض المتنقلة المرتبطة بالحيوانات والبيئة، مثل الملاريا والأوبئة ذات المنشأ الحيواني، إلى جانب الأمراض المزمنة التي أصبحت تشكل العبء الأكبر على الأنظمة الصحية، وفي مقدمتها أمراض القلب والشرايين والسرطان والأمراض التنفسية المزمنة.

وقد شهد الاجتماع تقديم عرض شامل حول الوضعية الراهنة لهذه الأمراض في الجزائر، مع تقييم مستوى تنفيذ مخطط العمل متعدد القطاعات، والوقوف عند أبرز النقائص والتحديات التي تواجه جهود الوقاية والترصد والتكفل الصحي. كما استعرض ممثلو القطاعات المختلفة التدابير والإجراءات التي تم تنفيذها ضمن مجالات اختصاصهم، إلى جانب اقتراح آليات جديدة لتحسين فعالية التدخلات وتعزيز التنسيق بين المتدخلين.

ومن بين أبرز التوجهات التي تم التأكيد عليها خلال اللقاء، ترقية مقاربة “صحة واحدة” (One Health)، وهي رؤية حديثة تربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، انطلاقاً من حقيقة أن العديد من الأوبئة المعاصرة تنشأ عند تقاطع هذه المجالات الثلاثة. ويُنظر إلى هذه المقاربة باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز قدرات الترصد والكشف المبكر عن المخاطر الصحية قبل تحولها إلى أزمات واسعة النطاق.

كما شدد المشاركون على أهمية تحسين تبادل المعلومات والمعطيات الصحية والبيئية والوبائية بين مختلف القطاعات، بما يسمح باتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، مع تعزيز أنظمة الإنذار المبكر والاستجابة السريعة للتهديدات الصحية.

وفي ما يتعلق بالأمراض غير المتنقلة، ركز الاجتماع على ضرورة تكثيف برامج الوقاية من خلال تشجيع التغذية الصحية، وممارسة النشاط البدني، ومكافحة التدخين، وهي عوامل أصبحت ترتبط بشكل مباشر بارتفاع معدلات الأمراض المزمنة. كما تم التأكيد على أهمية توسيع حملات التوعية والتحسيس، مع إشراك وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والمجتمع المدني والجماعات المحلية في نشر الثقافة الصحية وتعزيز السلوك الوقائي لدى المواطنين.

وخلص الاجتماع إلى اقتراح مجموعة من الإجراءات ذات الأولوية سيتم إدراجها ضمن خارطة طريق خاصة بكل قطاع، تشمل تعزيز آليات التشاور الدائم بين المتدخلين، وتطوير برامج التكوين المستمر لفائدة المهنيين، وتعبئة الموارد الضرورية لضمان استمرارية البرامج الوقائية، إضافة إلى وضع آليات دورية للمتابعة والتقييم وقياس أثر التدخلات الصحية على أرض الواقع.

ويؤكد هذا التحرك، بحسب متابعين، أن الرهان لم يعد يقتصر على علاج الأمراض بعد ظهورها، بل أصبح يتمثل في بناء منظومة صحية قادرة على التنبؤ بالمخاطر والحد منها قبل تحولها إلى تهديد فعلي للصحة العمومية، في إطار رؤية تجعل من الوقاية والاستباق خط الدفاع الأول عن الأمن الصحي الوطني.

مالك سعدو

Comments (0)
Add Comment