في وقت يزداد فيه إقبال المستهلكين على المشروبات الغازية “الدايت” و“زيرو سكر” هربًا من السكر والسعرات الحرارية، لا يزال الجدل العلمي قائمًا حول تأثيرها الحقيقي على الصحة. فبين من يعتبرها خيارًا أفضل من المشروبات التقليدية، ومن يحذر من آثارها المحتملة على الجسم، تبدو الحقيقة أكثر تعقيدًا مما توحي به الحملات الإعلانية.
تقرير حديث نشره موقع PBS NewsHour الأمريكي المتخصص في الأخبار والتحليلات الصحية، كشف أن الدراسات العلمية لم تحسم بعد بشكل نهائي ما إذا كانت هذه المشروبات آمنة تمامًا على المدى الطويل، رغم أن أغلب الخبراء يتفقون على أنها أقل ضررًا من المشروبات الغنية بالسكر.
وتحتوي علبة واحدة من المشروبات الغازية التقليدية على كميات مرتفعة جدًا من السكر قد تصل إلى نحو 39 غرامًا، أي ما يعادل قرابة 10 ملاعق صغيرة، وهو ما يتجاوز بكثير الكميات اليومية الموصى بها. لهذا السبب، يلجأ كثيرون إلى النسخ “الخفيفة” التي تعتمد على المحليات الصناعية بدل السكر.
لكن المشكلة، بحسب الباحثين، أن هذه المحليات ما تزال تثير تساؤلات عديدة. فبعض الدراسات ربطت الاستهلاك المنتظم للمشروبات “الدايت” بزيادة خطر الإصابة بالسمنة، والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب، وحتى اضطرابات التمثيل الغذائي. غير أن العلماء يؤكدون أن هذه الدراسات لا تثبت علاقة مباشرة، لأن الأشخاص الذين يستهلكون هذه المشروبات يكونون غالبًا أصلًا أكثر عرضة للمشاكل الصحية بسبب نمط حياتهم أو نظامهم الغذائي.
في المقابل، أظهرت تجارب سريرية أخرى أن استبدال المشروبات السكرية بالمشروبات “الدايت” قد يساعد فعليًا على تقليل الوزن وخفض استهلاك السكر، خاصة لدى الأشخاص الذين يفرطون في تناول المشروبات المحلاة.
ويواصل العلماء اليوم دراسة التأثيرات المحتملة للمحليات الصناعية على بكتيريا الأمعاء، وعلى طريقة استجابة الدماغ للطعم الحلو. وتشير بعض الأبحاث إلى أن الاستهلاك المتكرر للمذاق الحلو جدًا قد يجعل الإنسان أقل تقبلًا للطعم الطبيعي للأطعمة والمشروبات الصحية.
كما عاد الجدل بقوة حول مادة Aspartame، وهي من أشهر المحليات الصناعية المستخدمة في المشروبات “الدايت”، بعدما صنفتها منظمة الصحة العالمية سنة 2023 ضمن المواد “المحتمل أن تكون مسرطنة”. غير أن المختصين أوضحوا أن الوصول إلى مستويات خطيرة يتطلب استهلاك كميات كبيرة جدًا يوميًا من هذه المشروبات.
ويرى خبراء التغذية أن الحل الأفضل يبقى في تقليل الاعتماد على المشروبات الغازية عمومًا، سواء كانت محلاة بالسكر أو بالمحليات الصناعية، مع تشجيع استهلاك الماء والمشروبات الطبيعية غير المحلاة.
وينصح الأطباء الأشخاص المعتادين على المشروبات “الدايت” بالتقليل التدريجي منها بدل التوقف المفاجئ، خاصة بسبب احتوائها على الكافيين، مع إمكانية تعويضها بالمياه الغازية الطبيعية أو المشروبات الخالية من السكر الصناعي.
وفي النهاية، تبدو الرسالة الأوضح من الأبحاث الحالية بسيطة: المشروبات “الدايت” قد تكون خيارًا أقل سوءًا من المشروبات السكرية، لكنها ليست بالضرورة خيارًا صحيًا مثاليًا.
فاطمة الزهراء عاشور ء