ربع مراهقات العالم يعانين بصمت: نقص حمض الفوليك يتحول إلى تهديد صحي عالمي

في صمتٍ لا يلفت الانتباه، تتشكل واحدة من أخطر الأزمات الغذائية التي تضرب صحة الفتيات عبر العالم. فقد كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة PLOS ONE أن نقص حمض الفوليك (فيتامين B9) لم يعد حالة معزولة، بل أصبح ظاهرة واسعة الانتشار تمس نحو 27% من المراهقات عالميًا، أي ما يقارب فتاة واحدة من كل أربع.

الدراسة، التي اعتمدت على مراجعة منهجية وتحليل تلوي شمل أكثر من 26 ألف مراهقة عبر عدة قارات، ترسم صورة مقلقة لوضع تغذوي هش خلال مرحلة عمرية حاسمة، حيث تتسارع وتيرة النمو الجسدي والعقلي، وتزداد الحاجة إلى المغذيات الأساسية. غير أن الواقع، كما تكشفه الأرقام، يسير في الاتجاه المعاكس.

وتتجلى حدة الأزمة بشكل أوضح في القارة الإفريقية، التي تسجل أعلى نسب النقص بما يفوق 35%، في مقابل مستويات أقل بكثير في الدول ذات الدخل المرتفع. هذا التفاوت الحاد لا يعكس فقط اختلاف الأنماط الغذائية، بل يكشف أيضًا عن فجوة عميقة في السياسات الصحية، خاصة في ما يتعلق بتدعيم الأغذية بالفيتامينات الأساسية وتوفير المكملات الغذائية للفئات الأكثر هشاشة.

ولا تقف خطورة نقص حمض الفوليك عند حدود سوء التغذية، بل تمتد إلى مضاعفات صحية قد تكون طويلة الأمد، من بينها فقر الدم واضطرابات النمو وضعف القدرات الإدراكية، فضلًا عن انعكاساته المستقبلية على صحة الأمهات والأجنة، حيث يرتبط هذا النقص بزيادة خطر التشوهات الخلقية. إنها، بهذا المعنى، أزمة تتجاوز الجيل الحالي لتطال الأجيال القادمة.

وتُرجع الدراسة هذا الوضع إلى مزيج معقد من العوامل، في مقدمتها ضعف التنوع الغذائي، وقلة استهلاك الخضروات الورقية والبقوليات، إلى جانب محدودية برامج التوعية الغذائية، والعوائق الاقتصادية التي تحول دون الوصول إلى غذاء متوازن. كما يبرز غياب سياسات فعالة لتدعيم الأغذية كعامل حاسم في تفاقم المشكلة، خاصة في الدول النامية.

أمام هذه المعطيات، تبدو الرسالة التي تحملها الدراسة واضحة وحاسمة: نقص حمض الفوليك لدى المراهقات لم يعد مجرد مسألة تغذوية، بل تحول إلى قضية صحة عمومية عالمية تتطلب تحركًا عاجلًا ومنسقًا. فبين التوعية والتدعيم الغذائي وتوسيع نطاق المكملات، تتحدد ملامح معركة صحية لا تحتمل التأجيل، لأن كلفتها الحقيقية لن تُقاس فقط بالأرقام، بل بمستقبل أجيال بأكملها.

فاطمة الزهراء عاشور

Comments (0)
Add Comment