في تحول لافت في مقاربة الصحة العامة، تطرح دراسة حديثة نُشرت في Nature Health رؤية مختلفة لمكافحة التدخين، لا تقوم فقط على المنع والإقلاع، بل على إعادة توجيه سلوك المدخنين نحو بدائل أقل ضررًا. الدراسة، المعنونة “Smoke-free nicotine products can accelerate the end of the smoking epidemic”، لا تكتفي بتوصيف المشكلة، بل تقترح مسارًا عمليًا لتسريع نهاية واحدة من أكثر الأوبئة فتكًا في العصر الحديث.
الزاوية التي تعتمدها الدراسة واضحة: الإقلاع التام عن التدخين يظل الخيار الأمثل، لكنه ليس واقعيًا للجميع. ملايين المدخنين حول العالم يفشلون في التوقف رغم إدراكهم للمخاطر، ما يفرض – من منظور علمي – البحث عن حلول وسيطة قائمة على مبدأ الحد من الضرر. هذا المفهوم، الذي استُخدم سابقًا في مجالات مثل الإدمان على المخدرات، يجد اليوم تطبيقًا متزايدًا في سياسات مكافحة التدخين.
وتستند الدراسة إلى حقيقة علمية حاسمة: الخطر الأكبر في التدخين لا يرتبط بمادة النيكوتينبحد ذاتها، بل بعملية احتراق التبغ، التي تُنتج مزيجًا معقدًا من المواد السامة والمسرطنة. هنا تحديدًا تبرز أهمية المنتجات الخالية من الدخان – مثل السجائر الإلكترونية ومنتجات تسخين التبغ – التي توصل النيكوتين دون احتراق، وبالتالي مع مستويات أقل بكثير من السموم.
من هذا المنطلق، ترى الدراسة أن تعميم هذه البدائل يمكن أن يُسرّع بشكل ملموس تراجع معدلات التدخين، بل ويقرب العالم من “نقطة النهاية” التي تُعرف في الأدبيات الصحية بوصول نسبة المدخنين إلى أقل من 5% من السكان. هذا الهدف، الذي يبدو بعيد المنال بالوسائل التقليدية، قد يصبح أكثر واقعية إذا ما تم دمج هذه المنتجات ضمن سياسات الصحة العامة، بدل الاكتفاء بمقاربتها كتهديد جديد.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته العلمية، لا يخلو من تعقيدات. فالنيكوتين يظل مادة مسببة للإدمان، ما يعني أن استبدال وسيلة الاستهلاك لا يلغي الإشكال بالكامل. كما أن المخاوف تتزايد بشأن جاذبية هذه المنتجات لدى الشباب، واحتمال تحولها إلى بوابة جديدة نحو الإدمان بدل أن تكون أداة للخروج منه.
في هذا السياق، تبدو المعادلة أكثر دقة مما توحي به العناوين: نحن لا أمام “منتج آمن”، بل أمام “منتج أقل ضررًا”. الفرق جوهري في الخطاب الصحي، لكنه دقيق في التطبيق. إذ يتطلب نجاح هذه الإستراتيجية سياسات تنظيمية صارمة، توازن بين تشجيع المدخنين على التحول، ومنع انتشار الاستخدام بين غير المدخنين.
في المحصلة، لا تقدم الدراسة حلاً سحريًا، بل تدفع نحو إعادة تعريف المعركة ضد التدخين. من حرب صفرية هدفها القضاء على النيكوتين، إلى مقاربة أكثر براغماتية تسعى لتقليل الخسائر الصحية قدر الإمكان. وبين هذين المنهجين، يتشكل مستقبل السياسات الصحية في مواجهة وباء لم يعد من الممكن التعامل معه بالأدوات التقليدية وحدها.
فاطمة الزهراء عاشور