في وقت لا يزال فيه مرض السل أحد أبرز أسباب الوفاة المعدية في العالم، تتجه الأنظار نحو التقدم العلمي في مجال اللقاحات كأمل حقيقي للحد من هذا الوباء الذي يحصد سنويًا نحو 1.25 مليون وفاة، خصوصًا في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.
ورغم مرور أكثر من مئة عام على تطوير لقاح BCG، إلا أنه لا يزال اللقاح الوحيد المعتمد ضد السل حتى اليوم. ويتم إعطاء هذا اللقاح لأكثر من 100 مليون طفل سنويًا، حيث يوفر حماية فعالة ضد الأشكال الخطيرة من المرض لدى الرضع، مثل السل المنتشر والتهاب السحايا السلي. غير أن فعاليته تظل محدودة ومتفاوتة في الوقاية من السل الرئوي لدى المراهقين والبالغين، وهو الشكل الأكثر شيوعًا، إذ يمثل أكثر من 80% من العبء العالمي للمرض، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية.
في هذا السياق، يبرز اللقاح المرشح M72/AS01E كأحد أهم المشاريع العلمية الواعدة لسد هذه الفجوة. فقد أظهرت نتائج تجربة سريرية من المرحلة الثانية (2b) أن هذا اللقاح يحقق فعالية تقارب 50% في الوقاية من السل الرئوي لدى البالغين المصابين بعدوى كامنة ببكتيريا المتفطرة السلية. كما أظهرت البيانات أن هذه الحماية استمرت لنحو ثلاث سنوات، مع تسجيل مستوى أمان اعتُبر مقبولًا في هذه المرحلة من التجارب، وفق ما نشر في دوريات علمية محكمة وبيانات داعمة من منظمة الصحة العالمية.
ويأتي هذا التقدم في وقت تزداد فيه المخاوف من تصاعد مقاومة السل للأدوية، ما يجعل الوقاية عبر اللقاحات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ويرى خبراء الصحة أن نجاح هذا اللقاح في المراحل المقبلة، خاصة التجارب السريرية من المرحلة الثالثة، قد يشكل تحولًا استراتيجيًا في مكافحة المرض عالميًا.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يؤكد الباحثون أن الطريق لا يزال طويلًا قبل اعتماد اللقاح بشكل نهائي، حيث يتطلب الأمر تأكيد الفعالية والأمان على نطاق أوسع. ومع ذلك، فإن النتائج الحالية تعزز الآمال بإمكانية تطوير أول لقاح فعال ضد السل الرئوي لدى البالغين، وهو ما قد يغيّر بشكل جذري مسار هذا المرض الذي ظل لعقود يشكل تحديًا للصحة العمومية.
فاطمة الزهراء عاشور