في مشهد يعكس التحول الهادئ ولكن العميق الذي تعرفه بعض المؤسسات الصحية في الجزائر، نجح فريق طبي بالمؤسسة الاستشفائية الجامعية أول نوفمبر 1954 بوهران في إجراء عملية جراحية دقيقة ومعقدة لتصحيح تشوه خلقي حاد في القفص الصدري لدى شاب يبلغ من العمر 25 سنة، قدم من الجزائر العاصمة، في تدخل يُصنّف ضمن العمليات عالية الخطورة والدقة.
النجاح لم يكن مجرد إجراء طبي روتيني، بل اختبار حقيقي لقدرة المنظومة الاستشفائية العمومية على التعامل مع حالات معقدة تتطلب خبرة دقيقة وتنسيقًا عالي المستوى. فشدة التقعر الصدري (Pectus Excavatum) في هذه الحالة فرضت تحديًا مضاعفًا على الفريق الطبي، الذي اضطر إلى اعتماد مقاربة جراحية متقدمة لضمان نتيجة وظيفية وجمالية في آن واحد.
العملية أُجريت تحت إشراف البروفيسور قاسمي رشيد، باستخدام تقنية “رافيتش المعدلة”، وهي من أحدث الأساليب الجراحية المعتمدة عالميًا لعلاج التشوهات المعقدة للقفص الصدري. وتعتمد هذه التقنية على إعادة تشكيل القفص الصدري عبر تعديل أو استئصال الغضاريف المتضررة، ثم تثبيت عظم القص في وضعه الطبيعي، مع إمكانية استخدام دعامة مؤقتة لضمان استقرار النتائج خلال مرحلة التعافي.
غير أن ما يمنح هذا الإنجاز بعده الحقيقي، ليس فقط نجاح العملية، بل ذلك التناغم المهني الذي جمع مختلف الفاعلين داخل غرفة العمليات. فقد ساهم الأستاذ المساعد الدكتور صابري بلقاسم والطبيبة المقيمة الدكتورة منتفخ آمال في إنجاز هذا التدخل، إلى جانب فريق التخدير والإنعاش بقيادة الدكتورة تهامي، فضلاً عن طاقم التمريض وتقنيي غرفة العمليات الذين شكلوا العمود الفقري لهذا النجاح.
هذا الإنجاز يعيد طرح سؤال جوهري حول الإمكانيات الحقيقية التي تزخر بها المؤسسات الاستشفائية الجزائرية عندما تتوفر لها شروط العمل والتنسيق، ويؤكد أن التميز الطبي لم يعد استثناءً، بل يمكن أن يتحول إلى قاعدة، إذا ما تم الاستثمار في الكفاءات وتثمين الخبرة المحلية.
وبهذا، تواصل المؤسسة الاستشفائية الجامعية بوهران ترسيخ موقعها كقطب مرجعي في الجراحة المتخصصة، قادرة على استقطاب الحالات المعقدة من مختلف أنحاء الوطن، في وقت تتجه فيه الأنظار نحو ضرورة تعميم مثل هذه النماذج الناجحة داخل المنظومة الصحية الوطنية.
مريم عزون