ذاكرة يمكن إنقاذها: دراسة علمية تعيد الأمل في استعادة الذاكرة لدى مرضى ألزهايمر

في تحول علمي لافت، تقترح دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Reviews Neurology أن فقدان الذاكرة لدى مرضى ألزهايمر ليس دائمًا نتيجة تلف نهائي في الدماغ، بل قد يكون — جزئيًا — خللًا وظيفيًا قابلاً للإصلاح داخل الدوائر العصبية، وهو ما يفتح الباب أمام مقاربات علاجية جديدة تتجاوز الفكرة التقليدية عن “التدهور غير القابل للعكس”.

الدراسة، التي تحمل عنوان “Maintaining and regaining episodic memory in Alzheimer disease: a circuit-based perspective”، تركز على ما يُعرف بـ”الذاكرة العرضية”، أي القدرة على استرجاع التجارب الشخصية والأحداث اليومية، والتي تُعد من أولى الوظائف التي تتضرر في مرض ألزهايمر، وتؤثر بشكل مباشر على استقلالية المريض وجودة حياته.

وتقدم الورقة إطارًا علميًا جديدًا يُسمى “استغلال الدوائر العصبية”، يقوم على فكرة أن اضطراب الذاكرة لا يعود فقط إلى موت الخلايا العصبية، بل أيضًا إلى سوء استخدام الشبكات العصبية المسؤولة عن تخزين واسترجاع الذكريات.

هذا الطرح يقلب المعادلة التقليدية، إذ يشير إلى أن جزءًا من فقدان الذاكرة قد يكون “قابلًا للاسترجاع”، لأنه ناتج عن اختلال في طريقة عمل الدماغ، وليس فقط عن تدمير بنيته. فبدل النظر إلى المرض كعملية تنكسية نهائية، تدعو الدراسة إلى فهمه كخلل في ديناميكيات الشبكات العصبية يمكن تحسينها أو إعادة تنظيمها.

وتوضح الدراسة أن الذاكرة في الدماغ ليست كيانًا مبهمًا، بل تعتمد على دوائر محددة تقوم بعمليات حسابية دقيقة عند ترميز التجارب واسترجاعها. ومع تقدم المرض، تتعطل هذه الدوائر تدريجيًا، لكن بعضها يظل قادرًا على العمل إذا أُعيد تنشيطه أو دعمه عبر تدخلات علاجية مناسبة.

كما تشير النتائج إلى مفهوم “الاحتياطي المعرفي”، أي قدرة الدماغ على تعويض التلف عبر استخدام مسارات بديلة داخل الشبكات العصبية، وهو ما يفسر التفاوت بين المرضى في شدة الأعراض، رغم تشابه درجة التلف الدماغي لديهم.

وتفتح هذه المقاربة آفاقًا علاجية واعدة، من بينها التدريب المعرفي الموجه، والتحفيز الدماغي، وتطوير استراتيجيات علاجية تستهدف تحسين أداء الدوائر العصبية بدل الاكتفاء بمحاولة إبطاء تراكم البروتينات المرتبطة بالمرض، مثل الأميلويد.

في السياق نفسه، تدعو الدراسة إلى دمج هذا الفهم الجديد مع العلاجات الدوائية الحديثة، معتبرة أن الجمع بين استهداف المرض بيولوجيًا وتحسين وظائف الشبكات العصبية قد يمثل المسار الأكثر فعالية في المستقبل.

هذا التحول في النظرة العلمية لا يغير فقط طريقة فهم ألزهايمر، بل يعيد صياغة الأمل ذاته: فبدل التسليم بفقدان الذاكرة كقدر محتوم، تطرح الأبحاث الحديثة احتمال استعادتها — ولو جزئيًا — عبر إعادة تشغيل “دوائر الذكريات” داخل الدماغ.

فاطمة الزهراء عاشور

Comments (0)
Add Comment